السبت، 12 مارس 2016

كيف اخترق الرصاص قدماي



حتماً تتميز كل بلاد وكل ثقافة بموسيقاها، الموسيقى الفرنسية دافئة وتضج بالحياة، لكن الإسبانية مثلاً تضج بالفرح والحماس ويخيل إليك أن العازفين يتصببون عرقاً من فرط البهجة، إلى الألوان التي ترشح حزناً، والتي تشبه حوارك مع نفسك، أو رقصة أشجار معمرة طويلة في ساحة مفتوحة، أو تلك التي تسبر أعماق الكون بحكمة ورصانة عظيمتين.
شاهدت قبيل أيام بطاقة بريدية تعود لباريس خلال عشيرينيات القرن الماضي، مصمم الصورة بلاشك كان يتوقع أن يراها أحد بعد تسعين أو مئة عام، الصورة لميدان عام في باريس ومقهى تجلس فيه فتاة بتصفيفة شعر تنتمي لتلك الفترة مع ألوان يدوية على الفستان تعود للزمن ذاته، مع رجل يرتدي بدلة رسمية، نفس ما قد تشاهده في فيلم Midnight in Paris ،خرجت بانطباع إيجابي لحد كبير من مشاهدته، ويبدو أن الإعجاب بالفيلم وصل لحد تقدير اختيار الشخصيات والدقة في محاكاة اللهجات والممثلين إلى كل التفاصيل الموجودة.
يحدث في مكان ما في اللحظة الزمنية الفارقة بين الثمانينات والتسعينات أن تجد هاتفك يرن، قبله منذ نصف ساعة كنت تضع شريط الكاسيت في جهاز تشغيل الموسيقى، في الصوت بعض الخربشة من خدوش شريط البلاستيك الذي يحمل التسجيل داخل الكاسيت، اجتماع.
الموسيقى تعد أرواحنا صباحاً لعالم جميل مسالم هادئ، لكن بمجرد خروجك من عتبة البيت، تتعرض للخيبة المعتادة مع كل شيء في الخارج، وصولاً للمدينة الصفراء.
تعلم جيداً أن الأخبار لاتسر أحداً، الجيش يقتحم كثير من الأحياء، الشهداء يتصاعدون، والشعار سكين! كل شيء يتدحرج نحو مالانعرف، أحب جيداً ما أنا عليه والتطورات على الساحة السياسية وعلى القضية ليست دافعاً لتغيير على صعيد المجتمع وقناعاته ولاسيما قسراً، أجزم أن فتيات بعد عشرين أو ثلاثين عاماً سيحملننا المسولية، لكن ترون التيار جارف و"البلطات"و الكلوركس.
لست من كوكب آخر، أدرك أن لكل شيء أثر سيمتد لاسيما أن الحال بالتأكيد سيصل لتهدئة كونية قسرياً قريباً وإحساسي لايخيب. المهم على صعيد أنشطتي التطوعية هناك مايثير امتعاضي وغضبي وحرقة قلبي، الأمور تتغير بشكل سريع، بدل أن ننهي نشاطنا بأفضل مخرج نتصرف كأننا في آخر الوقت دون حماس مع تقشف وتغييرات على عدة صعد، وأكره أن يخيب ظني جداً، 
أغضب من أشياء كثيرة، منها ملا يستحق الذكر لكن مهم بالنسبة لي، جارتي اللطيفة تغيرت أصبحت تنتقد الأغاني والموسيقى! ياالله، هذه هي الموضة الجديدة. لاأخجل من نفسي، ولا من عائلتي، ولامن وضعنا المادي لأننا مثل الأغلبية، لانخالف مبادئ ولانسرق لقمة أحد، ولانعيش على آلام أحد، ولانكذب ونجامل العالم من أجل طعامنا، والديّ يتعبان جداً، وأنا كبرت سريعاً مقارنة بحوض النعناع الذي نشأت فيه.
أشعر بالغضب لأن أحداً لم يدفعني ويوفر لي درساً مبكراً قليلاً، أو فرصة أبكر لفتح النافذة، ربما أموت في الاجتياح القادم، ربما أعلق خارج البيت خلال حظر التجوال! 
أكون سعيدة بالعمل مع الفريق، يشعرني الأمر بأنني على قيد الحياة، بعكس الجلوس في البيت وكأنك جزء من الجدران، هنالك بيئات يتطو فيها المتطوعون لأنهم اعتادوا ولأنه واجبهم، تجدهم يقدمون وقتهم وجهدهم، وهناك من يأتيهم مسافراً يحسب ألف حساب لما يبذل ووقته الثمين، هذا مايحبطني، أشعر أن جهدي يذهب سدىً، نحن نفعل بدافع ولهدف، لكن رمياتنا قصيرة عاجرة ولا تصيب إلا أطراف حلقة الهدف، نحن لانصل للشبان في الشوارع والأزقة، ولاالمصابين، كل الجهد في حدود المعقول وأنا أكاد أجن، بالكاد يخرج 10% مما أستطيع وأرغب بفعله، علاوة على هذا تلوح في الأفق إمكانية سحب الحافلة التي تأخذنا كل مرة لمكان نشاطنا!! 
المدينة كبيرة نوعاً ما، تحاول أن تواكب المدن الكبرى على استحياء، لايمكن أن أصف لكم دهشتي أول مرة رأيتها، لكن الآن ارى أمامي بلد شاحبة، أتخيل نفسي أمام سائق الحافلة الكسول الحريص على الوقود، أصارحه بكل وقاحة بأن الفريق بأكمله اتفق معه أن يوصلنا كل مرة، وأنني وإن كنت لست قريبة تماماً يجب أن أتواجد لكي أتواجد لأن من الضرورة لي قبل أي شيء أن أتواجد، ثم أخبره عن مدى التضحية التي أقدمها لكي أصل وأشارك، سيصبح قلبي جمرة لحظتها، ويصل اللهب عيناي، ثم أخرج منسحبة، يستحقون.
من المؤسف أن زميلتنا الثائرة الشقراء، ترى أن الحافلة لاتستحق كل هذه الجلبة، بل وتجعلها موضوعاً للسخرية ولاتعلم بأنها ليس مضحكة، لاأجد جدوى من مصارحتها بالحقيقة بكل الأحوال. استيقظت بعد منتصف الليل على كابوس مرعب، سمعت ابن عمي يصرخ في معتقله، حركت رأسي مع شلل تام في يديّ المنبسطات على الجانبين، يبدو أنهما كانتا مكبلتين! 
أمس وأنا خارجة أسرتني أم أحمد وهي تلحق الجنود المشاة بالحجارة، الحمقى حاولوا اقتحام البيت، يبحثون عن ابنها ويقتحمون البيت للمرة الثالثة على التوالي، برأيي هو محظوظ لأنه سيلتحق بالثوار أولاً، وسيجوب العالم ثانياً، حياتنا جحيم هنا نعيش على أخبار يومية تخلو من الفكاهة، وأتردد مع أمي إلى البريد مرة في الشهر من أجل "المعلوم" الذي يرسله والدي من الخارج، ليس لديه شهادة من المعهد لكن لايهم طالما أنه وجد عملاً هناك، وربما تنجح المساعي ويأخذنا عنده عمّا قريب.