الجمعة، 6 يونيو 2014

صور مخفية


بعض المشاهد عصية على التفسير، في لحظة تمنيت لو أن لدي كاميرا ليلية.
بينما أمشي ووالدتي ليلاً، في شوارع معتمة تنتظر عودة الكهرباء، كان كل شيء يكاد أن يكون طبيعي أولاد يلعبون كرة القدم، طفلتين كل منهما تحمل دمية على عتبة البيت، مجموعة من كبار السن جالسين يتسامرون على سجادة مهترئة في ركن من الرصيف.
دون إضاءة سيارة عابرة لن ترى هذي المشاهد ولا أظن أن أي كاميرا بإمكانها التقاط كل التفاصيل الدقيقة التي تتحرك في العتمة.
كل الأصوات خافتة، صوت السيارات والدراجات النارية هو من يحرك الجو، المشهد بكليته لم أستطع تفسيره، ربما إن كانت الأفكار الذي تعشش في العتمة مسموعة الصوت لكانت أحدثت ضجيج أكبر من الشاحنة التي مرت، وربما في مكان آخر الآن نفس المشهد لكن تحت أضواء كاشفة كبيرة جداً ولا ترى بعض الرجال والشباب يجلسون القرفصاء في زوايا الشارع يدخنون، ومنهم من يحتوي رأسه بيديه ويختلس من حين لآخر النظر للعتمة، ربما في المكان الآخر إن انقطعت الكهرباء الآن، لدب الذعر ولشعر المثقفون والواعين في ذلك المكان في تلك اللحظة أن الأمر منافي لحقوق الانسان ويجب أن يعوض هؤلاء الآمنين عن لحظة الفزع وربما سيحاجّون بقصة الطفلة التي كادت ان تضيع من أمها وأصابها الهلع من العتمة.
لدينا لا يمكن أن تحاجج أحد بقصة لطفلة مشابهة، الأطفال هنا يستطيعون أن يتمشوا بالعتمة، ومنهم من يلعبون الغميضة ومنهم من يستطيع رؤيتك بسهولة في الظلام.
في غزة حين تنقطع الكهرباء، تهل اللعنات والدعوات على شركة الكهرباء والحكومة والاحتلال وربما الجيران النكديين، لا بأس إنه قدرك بإمكانك أن تحتسب أمرك عند الله خصوصاً إن كان عليك عمل وجب أن تكمله عبر الانترنت أو تحتاج لإتمامه الكهرباء، لا بأس هي لله.
ثم مؤخراً بدأت تجول بخاطري فكرة أن غزة بذاتها معجزة، كيف تخطت كل هذي السنين وما زالت موجودة؟ أتذكر منذ بداية الألفين حين بدأت أرى الحياة أو لنقل بداية الحصار حين أغلقت المعابر وشحت المواد الغذائية والوقود، حفرت الأنفاق وجيء بالمواد الغذائية والوقود من الجانب المصري، ثم شح الوقود ولم توجد طريقة للحصول عليه أو لتسيير السيارات فجعل الغزي زيت السيرج وقود للمركبات أو غاز الطهي (هل هناك أجمل من أن تفوح من سيارتك رائحة البطاطا المقلية؟!).

 وحين انقطع الغاز عادت غزة لاستخدام البابور والنار والشمبر وغيرها من الوسائل، ثم أزمة الكهرباء التي جعلت الغزي ينظم جدول أعماله حسب جدول انقطاع الكهرباء، فتؤجل كل  أعمال الغسيل والكوي وغيرها لعودة الكهرباء، وأثناء انقطاع الكهرباء يمكن أن تقرأ كتاب أو تفعل ما تشاء من أعمل البيت ويمكن أن تخرج للبحر أو تقوم بالزيارات العائلية لبيوت الأقارب الذين لا تنقطع عليهم الكهرباء في وقت زيارتك، والشباب غالباً يتجهون للمقاهي هرباً من الملل، هناك العديد من الأفكار للتغلب على مشكلة الكهرباء مثل المولد الكهربائي والشمع "هناك ضحايا من الشمع في غزة لذلك قل استخدامه"، أو الكشاف، وهناك اشياء أكثر ذكاءً مثلاً يمكن تشغيل راوتر الانترنت ببطارية الشاحن خلال انقطاع الكهرباء، أو تشغيل التلفاز على أنبوبة الغاز خصوصاً لمباريات كرة القدم المهمة، أيضاً الجار للجار إن كان خط جارك مختلف عن خطك، يمكن أن توصل الكهرباء من جارك حين تنقطع الكهرباء عليك، ويوصل هو منك حين تنقطع عليه.

 إنها مدينة تعشق الحرية تعيش في الظلام، وأجد من الظلم هنا القول بأن السكوت على الظلم أحد مظاهر العبودية مع صحة المبدأ لكن الناس هنا احتملوا ما يفوق التحمل واحتمالهم لا حدود له، ونفاق ساسة السياسة لا حدود له، كيف يخدع الانسان هنا! أو كيف تغلب المصالح على الوطن، لا يمكن أن أفهم ما يقصد أحد حين يأخذ صورة في زيارة مكان الحدث، هل يحاول ان يقنع نفسه أنه فعل ما يجب، أم أنها دليل على حرصه على الوطن، أم أنها تعني انظروا لقد كنت هنا من أجل القضية؟! الوزير والرئيس والجميع يعد الشعب وهمومه أولى أولوياتهم فلماذا يريدون إيصال فكرة أنهم فعلوا عظيماً وما أحسنهم والدليل صورة وووو.. كم نفتقد الأشخاص الذين كانوا يتسابقون على خدمة الناس سراً والسيدة العمياء الكبيرة شاهدة عليهم، دعنا لا نبعد كثيراً لماذا لا يتخذ أحد رئيس الأوروغواي "خوسيه موخيكا" نموذجاً ؟

ولماذا توجد فجوة بين كبار موظفي السلطة الفلسطينية والشعب؟! حتى أن المناضلين أصبح لهم برستيج يجعلهم يتحاملون على فهم الشعب البسيط، أين هم من حياة البسطاء، أجزم أنهم لن يحتملوا ليلة واحدة بدون كهرباء، ثم إن قلت لهم هذا سيذكرونك ببطولاتهم قبل أوسلو، اسمحوا لنا توقفوا هنا، من بعد الألفين جربنا حربين وحصار طويل واجتياحات ووو.. طيب ألا يشعر احد بالخجل في الضفة من موضوع إعادة اعتقال الأسرى بعد تحريرهم من سجون الاحتلال، طيب بإمكانك ان تتأكد من أن الأسير لم يقع في شباك العمالة لكن دون ذلك التعذيب الذي يؤكد أغلب من جربه أن تعذيب الإسرائيلي أرحم؟؟!!

ثم لماذا لم يؤجل موظفو حكومة غزة احتجاجهم على رواتب موظفي السلطة للشهر القادم، لأن حكومة التوافق مسؤولة عنهم منذ أيام وليس من شهر مايو؟! وما الحكمة من أن تخلف حماس خلفها هذا الكم من الخوازيق وترحل ببساطة؟ لماذا التجارة بالدين؟ ولماذا من ليس معي فهو ضدي؟ ولماذا الظلم ووو، ولماذا؟؟
حقاً لا أحب الخوض في السياسة لكنها رغماً عنك تقتحم حياتك.

بالمناسبة أخطأ ميكافيلي حين اقترح على القراء أنك يجب أن تكون "يا ابيض يا اسود"، الرمادي ليس سيئ أوأن تكون بلا لون أفضل أكثر، لست مضطراً أن تكون فتح أو حماس، يسار أو يمين، مرسي أو سيسي، ربما كلهم خطأ ولم تجد نفسك في أحد، أو أنت نفسك اتجاه وفصيل وقضية، فارحمونا من قصة الحكم والتصنيف من كلمة أو رأي فأنتم لستم في عقولنا، وليس لأحد أن يفرض عليك فكرك أو رأيك أو اتجاهك لأنك تمثل نفسك بالنهاية.
تصحبون/تمسون على واقع وحياة أفضل...

تم في 6:20 من مساء السادس من يونيو في العام الرابع عشر بعد الألفين.