السبت، 10 ديسمبر 2016

من عقلك؟



من وين ابدأ؟
ليس من حق أحد أن يحكم عليك بالخيانة قبل التأكد من دوافعك وأسبابك. 
أعرف أنني أكوّن العلاقات والصداقات بصعوبة، وأخسرها بسهولة، لكن هذي أربع سنوات، ليست بالقليلة. في البداية كنت أرسم في مخيلتي أشكال كثيرة لمظهرها وشكلها، الورطة ظهرت في التطبيق، الفرق بين الخيال والواقع، قد يكذبني إن قلت أن علاقتنا الثلاثية أنا والقلم والورقة أسهل بكثير، في العلاقات مع البشر والعالم الجديد تحتاج دماغ أكثر تعقيداً ربما.

اليوم بعد أربعة سنوات لجأت لواحدة جديدة، وكالعادة أدور حول الكائن الجديد ألف مرة قبل لمسه ومن ثم التعرّف إليه وتبادل الخبرات،  فعلاً أكره أن يتم تصعيب الأمور عليّ هكذا، لماذا لايكون كل شيء مباشر وسهل مثل الرسم يعني، والتعامل مع الاحتمالات أكثر مرونة يعني.

كنت أنتظر اللحظة التي أحدد فيها هدف التدوين قبل البدء بمدونة جديدة، مدونة متخصصة ولاتهضم حق التدوينات العفوية بأي شكل من الأشكال، كلهم يذهبون للعالم الافتراضي الجديد، قرأت أن WordPress تمتلك نظام مطوّر وأفضل من جوجل، واضح أنه مطوّر لأني حتى اللحظة مازلت أحدق في الصفحة ولا أفهم مع أن الأمر يبدو بسيطاً جداً، وضاعت الفكرة التي كانت موجودة في ذهني، أردت أن أكتبها هناك كبداية، بداية خارج السرب بسيطة خفيفة لذيذة مغذية وتعطي طاقة وتحمًل على الانتظار، وطارت الفكرة التي كانت موجودة في ذهني، أردت أن أكتبها لتكون البوصلة، ليست فقط خارج الصندوق بل لاتندرج تحت أي تصنيف من الأشكال. 

آه، كيف تحكم على أحد بالخيانة ولم تعرف دوافعه، بدايتي كانت بسيطة وواضحة ومازالت مع بعض التغيير، البوصلة لدي تسير حسب تيار مبهم لاعلم لي ولكم فيه، لكن أثق فيها، أحياناً على أحدنا التحرك والأخذ بمعطيات معينة لأن النتيجة المؤكدة هكذا حسب الشيء المبهم، ولأن لسلطة ما الحق في تقرير الوجهة الجديدة وإن علمت أن نهاية الطريق حفرة  أو حفرة كبيرة.

التكنولوجيا التي تتوهنا وتدخلنا في متاهات لامنطقية مزعجة لأقصى حد، نظام ويندوز لايشبه ما كنت أتخيل أو أرغب، عندما شاهدت Castaway كان عادياً بشكل ما لأني لديّ ويلسون أيضاً، بدأت تظهر أجهزة الحاسوب في بداية الألفين عندنا ثم الحاسوب الشخصي الثقيل، خالي كان يعمل وكيلاً لوزارة أهدته السلطة وزملاءه أجهزة حديثة جداً بالنسبة لوقتنا، لم ارغب بلمسه أو فتحه حتى، صنعت من الكرتون واحد مشابه، وصنعت شرائح للوحة سطح المكتب والبرامج، لونتها وشكلتها وبرمجتها، كلها على طريقتي وكنت أمضي وقت طويل جداً عليه، كان ممتع لدرجة فضول من يراه وعدم فهمه ما عداي، اليوم هذي الأجهزة والشبكات ستفجر عقلي، وفي خضم هذي الزحمة والدوّشة تطلّ المدونة "القديمة" أقصد الحالية، أمزح "بلاش تزعل"، أنا لم أخنها مرة لكن لم أفهم العالم الفوضوي هذا ولن  أفعل لأنني لو فعلت سأهبط على الأرض ولن أرى أبعد من هذي التبويبات والبرامج والخدع الغبية.

بكل الأحوال عزيزتي إنت حرة، وشكراً لاستقبالك لي بنفس الحرارة ومتكتمة على مشاعرك وساكتة، أنا فعلاً فهمتك وحسيت فيكِ لكن سأتجاهلك طالما ما عملتِ شيء ولأني مضطرة وهذا الواقع وأبقِ أنت على العهد حتى يخف الصداع وأعود لنصفّي الأمر.

الثلاثاء، 13 سبتمبر 2016

لا أحد سيأتي





نعم يا عزيزي، ستبقي في الصحراء وحيداً تلقّط الأشياء وتبحث عن تلك المبتغاة بين الدماء، ربما هناك شيء ينتحر الآن، وأفكار انذبحت لتتجزأ وتحصص.
هنا سمعت قصة من فيلسوف صغير، أصبح دماغه أكثر من ألف قطعة، يقول أن لا صواب أصوب من هذا والشوارع التي بلا ملامح هي الوجهة الصحيحة، يقول أن القصة بدأت من أم تنقضّ على حبل أفكاره وتقطعه إرباً كلما استطال لعدة سنتمترات، يقول أن الفِكَر ممتدة مثل البحر، كلما أبحرت أعمق حصلت على الكم والجودة، لكن المسكين ما نال بلح الشام ولاعنب اليمن، أيضاً اخبرنا أن أمه تتسلل صباحاً عبر أذنه لعقله اللاواعي، لتبث كما يشاع بين النساء "الكلمات السحرية" منخفضة النبرة منتظمة التردد وتتضمن أوامر ونصائح ولايمكن أبداً إلا الطاعة بإرادة أو بدونها، يقول المسكين أنه حين اهتم بالتعاون مع دار الطباعة دسّت له حبوب منع الحمل في الشراب !!
إنه يا صديقي هائمٌ على وجهه، ما يحصل معه تدمير مسلسل حسب زعمه، وكذلك ليس ممنهج لأن أمه لاتملك الخيال، أنت تقرأ بصوتي الآن وربما تراني أجلس على الأريكة مقابلك، لكنها لن تفعل ذلك ولن تجيبك إن سألتها ماذا سيحصل لو اقتحمت قطة صغيرة حفلة الآنسات المدللات، لا نلومها نحن لكن، ألا يمكن أن تعترف بالقطعة الأدبية أو الفنية كمنتج من حالة شعورية ما يمتلكها بعض الأنواع من البشر، كيف يمكن أن تصف لها العالم المحيط أو الفراغ الفارغ من الفراغ المكتظ بالأشياء والأفكار والأشخاص والتاريخ وكل شيء يحاول مشاركتك أو سواك التجربة. المسكين كان يتعذب من الاستيقاظ باكراً برغم عدم اهتمام الأغلب في البيت باستيقاظه من عدمه أو وجوده على طاولة الطعام، يصرّ أن الفاصل بين النوم واللانوم معقد أكثر من قنبلة نووية، والانتقال بين اللاوعي والوعي وتسليم الملخصات والمحاضر والتوصيات يتطلب جهداً هائلاً، أما هو فصنع ندبة كبيرة في رأسه، حين تهزه أمه تتطاير الملفات في كل الاتجاهات ويفقد صوابه! لا يرى شيء يثور، يفقد صوابه، يدق رأسه في الحائط حتى يشعر بالإعياء، ثم يجلس في الزاوية يبكي، في الشوارع الآن حين تشتد نوبات عقله، يجلس القرفصاء مولياً وجهه للحائط ويصيح "توقفي! توقفي! أكره التمتمة وكلام الصباح، أتوسل إليك توقفي!!!" ثم يفقد وعيه، بعض المرات يدركه أحد وكثيراً لا.
أظن يا عزيزي أن الانسان صغيراً ولد بمهارات مناسبة لغزو عشرة أكوان، يحلل ويصنف، ولا يحجّم الأمور، يملك خيالاً أوسع من الغابة، ولا يحب الحرب، الانسان صغيراً يملك مفاتيح كل شيء حسب تجربتي في المدرسة، يُمارَس القمع ضدي بسبب موقفي السلبي من قولبة العقول الحديثة، برأيي الخاص أرى أن أمه تحاول صنع الانسان الذي سيتجنب العراقيل الموجودة في الحياة الوسخة، والمسكينة لاتفعل شيء سوى سلبه أنيابه وأجنحته والأظافر، نعم قد يحصل وأن تفعل عكس ما تنوي عن جهل ودون دراية، قلت له أنه الآن أصبح كبيراً بإمكانه الانتقال للصحراء مثلك، وكنت سأقترح عليك استضافته، لكن أيضاً مقتنع أن تشكيل الوعي يبدأ بسن حديث وفي الشباب وكذلك صناعة الحبل الخاص بالصيد أو التسلق، وكل هذا سيشيخ معك لاحقاً، وما ضاع لن يكون بالإمكان ادراكه، هذا مرعب! أمر هذا البائس يزعجني، برأيك ما الحل؟
أتمنى أن لا أكون أثقلت بظلّي عليك هذي المرة، صدفة فطنت إلى أنني الآن من يسكن الصحراء لاأنت، يوجد هنا شح في كل شيء إلا الشحوم والمشارب، عقلي مصاب بالجدب وقلبي، توقّع زيارة قريبة منّي، وأتمنى أن أملك الشجاعة وأترك هذي المدرسة وإن كان ترك الأطفال سيكون ذنبي الذي لا يغتفر.

مع الهدوء صديقك.

الأحد، 14 أغسطس 2016

الاكتئاب والملل والاستغلال


الفرق بين الغرق والاكتئاب والحزن والمرض
في البداية زمان، بينما "هكتور" يشعر بالخطر على طروادة، أغلقت الباب  فتاة طروادية على صديقتها ونفسها، قد يستغرب الشخص يعني، بلد على وجه مجزرة وتركيز على حديث بلا قيمة لفتيات! الإنسان ونفسه واغواره سر بناء المملكة، تقول التي امسكت مقبض الباب قبل قليل أنها خلاص توصلت للسر للحصول على المبتغى حتى طريقة التربع في قلوب الناس! يا ساتر ماذا يمكن أن تكون?! تقول الأخيرة أن السر يكمن في "الحزن"!
طبعا ما زالت وسائل الإعلام تبتز مشاعرنا بتقارير ملفقة أو مدعمة بحقائق مجزوءة أو معلومات مضللة أو غيره، يمكن حتى "أخيل" انتهى بهذي الطريقة اعتقد، لنعود للداخل حديث الفتيات مشوّق أكثر.
في ظل قنديل يصعد أصانصير من عيون الفتاة الثانية حتى رأس أميرة الأحزان وينزل، مع شلل جزئي في باقي عضلات جسم المستمعة، واضح أن عقلها تلقى صدمة أو ما شابه.
مؤخراً أظهرت أبحاث أن الاكتئاب مرض العصر الحديث، وبطبيعة الحال هو مرض عضوي ناتج عن عدم اتزان في كيمياء المخ، يعني سيرتبط عاجلاً أو أجلاً بعارض عضوي في مكان آخر غير الدماغ، كنت ومازلت اعتقد بدون دليل علمي أن الانفلونزا مثلا تأتي على رائحة  الاكتئاب، وهذا ما يحصل معي عند تلقي خبر محزن يبدأ الرشح فأسمع موسيقى لطيفة ومبهجة مع تناول كمية يسيرة من الحلوى فتختفي الفايروسات! غريب قليلاً لكن يحدث بالفعل.
يقال أيضا على لسان باحثين أن الإرهاق يعد من مسببات الاكتئاب، وهنا نضيف الملل لقائمة المقارنات أو للبحث عن الرابط العجيب، لنتحدث من منطق غزيّ الآن بعيدا عن طروادة، يعيش المواطنون حياة مقرونة بالمنع تجاه حقوق عديدة، وحاجات لا تتوفر ، يستغرب البعض اكتئاب مواطن سافر سابقاً ومضطر للعيش في غزة مثله مثل غيره، طبيعي أن يتعرض صاحب هذي التجربة لاحتمال الاكتئاب أكثر من غيره، العمل والدراسة وكل ما هو مرتبط بالحياة المادية التي تنعكس في أشياء كثيرة ، خريج أو عامل أو موظف، أو حتى طالب يواجه الامتحانات التي تعد مسبب منطقي للاكتئاب بكل الاحوال، يعني لا أفق مع استنزاف قدرات نفسية وعقلية وجسدية ومادية من أجل نجاح في الحياة بنسبة خمسين بالمئة للجيد وأقل بكثير للعادي، الآن مع كل الاحتمالات السابقة يوجد احتمال التأثير مثل خاصية الحمل الحراري في بعض العناصر الطبيعية، وأخيراً العوامل الوراثية، نحن نملك نسخاً من جينات أهلنا واهلهم وأهل أهلهم، اختلال واحد في النص المكتوب في شريط الحمض النووي والذي يدل على خلل في كمية أو توزيع هرمون معين يعني باختصار سنحصل على سلالة كئيبة.
صنف الشعراء الحزن قديما من أكثر الأشياء فتكاً بالقلوب، ولا سيما عاطفياً، وهي عاطفة كالحب وغيره في حالة الصدق، للحزن بواعث ودوافع كثيرة وتصنف إن ادرجناها مع التراجيديا أو المأساة إلى حالة عاطفية نبيلة حسب الإغريق، أتفق مع الإغريق ولهذا منطقياً أجرم استغلال هذي العاطفة تماماً كاستغلال الأطفال بالعمالة الصغيرة أو انتهاك الحقوق أو النفس أو الجسد للصغار وغيرهم، لأن العبث بالفطرة السليمة والتلاعب فيها لا يقل خطورة عن ارتكاب اي جريمة أخرى.
اليوم نحن نعيش في عصر التوحد، حتى وسائل التواصل الإجتماعي لا تعطيك حقك وانفتاحك المطلوب، هي إما تزيد عزلتك أو تنتهك حياتك بشكل فظيع، الإنسان أصبح مستهدفا وقابل للتطويع والتشكيل مع ما يسمى الحداثة، وهذا باعتقادي سببٌ كافٍ للاكتئاب أو الانتحار أو الاثنين معاً، لكن الميزة الموجودة رغم كل المعيقات هي النظام الذاتي الذي يملكه كل منّا، يمكن مثل طروادة أن نرفع الحصون ونمنع الدخول للحامية متى اردنا بشكل طبيعي، يمكن أن نفعّل التحكم والرقابة على عمليات التبادل التجاري والديبلوماسي، وفي الداخل بكل هدوء يمكن أن نعيد ترتيب المكان وفقاً للمستجدات والأولويات والحاجات، يعني عادي يمكنك أن ترسل بطلب المهرج ليسري عنك وعن الحاشية، أما لو لم تفعل وفي حضرة رسول المملكة المجاورة فأنت بلا مؤاخذة تستعرض، على الشبكة العنكبوتية مواقع مخصصة لمعالجة هذا النوع من المشاكل، تجدها تقارن بين الدور الذاتي والخارجي لحل المشكلة، حوالي 90% من المسؤولية والقدرة على المساعدة تكون ذاتية، والبقية للمواقف الحرجة كأن يطلب المكتئب من شريكه أن يساعده بالحديث أو التسرية أو منعه من الإنتحار في حالة المحاولة. (تجنبت ذكر العقارات المستخدمة للعلاج لأنها تستخدم للمراحل المتقدمة ولا داعي لذكرها)
يعد من السخرية أحياناً أن ننظر لمشاكلنا ونعاينها بالشكل البدائي، بينما النفس الإنسانية في هكذا عصر يجب أن تخرج من القارورة الاجتماعية والنفسية وغيرها لتنظر لمقارنات وأنظمة ممكن تواجدها في الكون ومحاكاتها لتطوير حياة البشر والتقدم بسرعة الضوء، الواضح أن الإنسان على وعيه الحالي لا يستطيع أن ينتزع الإنسان الأول منه، او يضمن فعالية الوعي البشري الجمعي مغلقاً الباب على المرحلة السابقة، ولهذا يراوح مكانه منذ ألفيات ليست قليلة.


 ** مرفق أغاني حزينة للحزينين والمكتئبين من باب المواساة ♥


الجمعة، 13 مايو 2016

كريسماس منتصف السنة




أفكر بنجمة المسيح ودورها في إحلال السلام في العالم، شرقاً تتسلق نجمة شجرة السرو التي تشبه الأرز إلى حدٍ كبير.
الصعود مدهش من الأسفل باتجاه الجنوب، فتعتلي الشجرة في مشهد مهيب يثبت أن عيد الميلاد شيئ لا بد منه، في كل ليلة تعلن قيامة جديدة، في العاشرة تصل القمة، وفي التاسعة والنصف إلا قليل تقف في موقف محرج، على حافة الوصول لا هي تحت ولا في مكانها.
الأمير الصغير محق في أن كل نجمة وكوكب كانت تتبع نظاما وتخصصا وهذا مطابق للكون، ليس مستغرباً أن تتملك الدهشة نفسك عند كل موقف مربك، رالف والدو امرسون يرجي الفضائل إلى الصورة الغضة الأولى، يبتعد العالم أميال عن تلك النقطة بكل لحظة، وستموت من الدهشة أخيراً.
أمس الأول كنت اتسائل عن الطريقة التي تحافظ فيها على هروب آمن ومريح، لكن لا مفر، والتيه كالعادة سيسأل السؤال المعتاد "ماذا الآن؟" لا أحد يفهم لماذا يسرع العالم في الدوران حولك، لا أحد يعلم إن كان يتحدث.
لا أعرف أو أتذكر الآن أي النجوم هي التي شهدت ميلاد المسيح، رغم ذلك أشهد بالدهشة المرافقة لهيبة سلام الكون المتمثل بالشجر ومصابيح السماء،الحال متكرر في المعبر لكن سعيدة من أجل الذين غادروا، كما هو الحال مع الفن الذي يفهم ولكن لن تحكيه.
أشياء كثيرة يمكن أن تبرر نسيانك وميلك للمغامرة الأولى وإن كان لا إرادياً في بعض الحالات، أو كما يسميها بيجوفيتش "دراما البحث المستمر والحيرة"، لا يهم في أي مستوى كنت أو ما زلت المهم أن روحاً تصاحبها، أحب تماثيل المايا، الرؤوس الخارجة من الأرض، يرى الفنانون أنها مجرد قناع لقوة وشغف وجمال وأشياء أخرى، صنعت نموذجاً صغيراً من الصلصال والأمر يشبه معجِزة، بمعنى الكلمة، أشياء معجَزة تنطوي على القناع، تحول دون القول بفحواها بطبيعة الحال، أن تملك نموذجاً يعني أن تملك نجمة!




الثلاثاء، 26 أبريل 2016

هذي فروعي، لنتصافح!


هذي الكائنات تعرف كل شيء، الرياح تحب مداعبة البشر ومبادلتهم أطراف الحديث، والأشجار كذلك تحب أن نكون أصدقاء. 
نحن نعيش في نظام مركب، لنتحدث عن الاجتماعي فيه، هناك نظام قائم بقوانينه وآدابه ومحظوراته نسير عليه رغماً عن أي شيء، وهذي هي الطبيعة، الغيمة متفقة تماماً مع الرياح ومعهن الأشجار، والطيور تبني علاقة جيدة مع كل الأطراف، كل شيء يتبع الطبيعة تلقائياً ضمن النظام، ومن يدري ربما تملك كل مفردة من الكائنات قرارها وشخصها ومزاجها، لذلك يوجد غيمة ممطرة ومرتفعة أو مبكرة ومتأخرة، والأمواج في علاقتها العاطفية المتوترة مع القمر تتحكم بأماكن سباحتنا، النظام الكبير محكم وجميل، لكن أهم سؤال تطرحه على نفسك كإنسان: لماذا أنا؟ ربما حسب رأيي المتشقلب نحن جئنا بدافع التسرية والتسلية، لا يوجد شيء ممتع ومشجع في نظام مثالي، لابد من تجربة مخالِفة ومغامَرة، وها نحن ذا، كل الكائنات لطيفة معنا بعكسنا، يبدو الأمر وكأننا الطفل المدلل في هذا العالم، والأطفال نرجسيون بعض الشيء. 
لا نجوم الليلة، بالرغم من الجو البديع، أحاول التعافي من صدمة أن النجوم التي أراها ليست سوى أشباح لنجوم ماتت، مع أني أعرفها لكن هذا محزن ومخيف، محزن لأنها ربما كانت تحكي مستقبلنا المتكرر ولهذا كنت أراها وطناً، مخيف لأنها لم تستطع الصمود ولن تفعل حفيداتها وهذا حالنا طبعاً، مطمئن لأنها أشباح وفكرة وجود الأشباح مريحة وتخفف الوحشة كثيراً، أشباح يعني قد تكون إحدى هذي النجوم الميتة انفجرت مع مجموعة كواكب فيها حياة ما تشبهنا، وفيها صديق يشبهني ويبحث عني عبر نافذة أو سطح منزل أو تلسكوب، لا بأس الشبح يكفي، وهذا يعني عدد لا نهائي من الأصدقاء. 
الرياح لعوبة، مع موجة الشجن زادت برودة وصفير، تشبه القطط. هذا اليوم كدنا نتبخر من الحرارة والآن الغيمة الكبيرة ارسلت بضع قطرات، ملاطفة ربما. 
في الليل تكاد لا تسمع صوتاً بشرياً إلا صوت الأطفال، بكاء أو ضحك، جميل لكن لو فعل مثلهم كل الكبار لأصبح نهاراً ثانياً مزعجاً، فدعونا نكتفي بالصغار والكلاب والقطط والرياح وبعض السيارات. 
يوجد يرقات للعث في أشجار السرو بين الفروع، حياتها مملة ومسالمة وهي حشرات اجتماعية وتحب الضوء، مرة ازعجتها ونقلتها للبيت، ومع هذا حين تحولت لعثة كاملة عادت إلينا كأنها تسلّم يعني. 
لا أفهم سبب الهلع عند صغير الناقة حين تتركه أمه ليلاً، يملأ الفضاء جعيراً، الخراف والأبقار تكاد لا تسمع لها صوتاً، لا أحد سيؤذيه. 
مكعبات الإسمنت هذي شريرة، لا عزاء لمن ليس لديه كهرباء أو موقع غربي، الهواء الطلق هو الملاذ لكننا كسالى. 


القوانين تحكم كل شيء، حتى المزاج !!

" البدايات دائماً عظيمة، القلق والخوف هذين لا يمكنني التخلص منهما، كل الأشياء متشابهة، أول دوام في الروضة، أول زيارة رسمية للمركز الصحي، أول دوام في الفصل الأول، أول مسابقة، أول إذاعة، أول تكريم، أول رحلة، أول عملية جراحية، واليوم أول عمل حقيقي، أول مهمة اديرها بنفسي وأشعر بالثقة والقوة والسعادة وكأنني على المسار الصحيح فعلاً.
سعيدة وأشعر بالصلابة حين أفكر كيف تخطينا كل العقبات ووصلنا هنا! الحمدلله جداً..
يشغل فكري خمسة أطفال ولا يلهونني بل يجعلوني أكثر سعادةً.
لا أجد مزيداً من الكلام. "

 " أسوأ كابوس يمكن أن يحصل، مجرد أن أقوم بالثناء على نفسي إذا قمت بالرسم أو إنجاز عمل فني بمعايير معينة متجاهلة المعايير الإنسانية العامة، قاتل الله الطوبيا.لطالما تمثلت الأخلاق في المبادئ. فإذا كان نشاطنا غير نابع من وعينا وإرادتنا، وإذا كان علينا أن نفعل ما يملى علينا أن نفعله - كما هو الحال في الطوبيا - فإن كل مبدأ بما في ذلك الأخلاق، لا معنى له. "

" اقفزي الآن!
الحطاب ينادي الأميرة، كلنا نعرف أن القلعة مرتفعة وأن أسوار الشوك مرتفعة. هلا يخبرني أحد أين ذهبا؟ كيف تسير نفس الطريق يومياً، وتصنع صداقات مع الوجوه الموجودة هناك كل يوم، وإذا رآك أحد منهم خارج الطريق، كان الوجه مألوفا، يمكن أن تفكر في كيفية حصول هذا مليا لكن قبله عليك بأن تراجع امكاناتك وقدراتك العقلية، الذاكرة تمر بأزمة ليست هينة، قدرتك على التركيز من ثم التفكير في أي شيء عدا الفوضى. عقلي يطالبني بالانتحار، حين تلقينا خبرا لطيفاً ابتسمنا من الأعماق، لكنه حدثني قائلاً ليتك تملكين مسدسا، لا اطيق هذي الجمجمة، يبدو أنني من هواة التلاشي في الحزن أو السعادة، إلى درجة الموت، مثلاً أن تلقي نفسك من علو لترى كيف ستسقط أو كيف شعور السقوط أو لتحسب سرعة سقوطك مع معلومية كتلتك وقوة جذب الأرض وارتفاعك، أو مثلاً تضع علب الطلاء الوحيدة رهن تجربتك التي لا تعرف إلى أين ستصل، الأمثلة كثيرة واعجز عن تعدادها. التلاشي تجربة فريدة لم تكن لتحصل في دراستي الجامعية، الكل يعلم أنني لم أحب الدراسة ضمن برامج معدة سلفا ضمن خطة معدة سلفا لحياتي، الهيئة التي خلقت عليها لم تكن اختياري، لم يمنحني الله مهارة السباحة في التيار، خلقني اكره الأوامر والتعليمات، جعلني اكره معاملتنا في المدرسة أو الجامعة كمثل كائنات مسلوبة الإرادة تنتظر التعليمات، ربما كان ابتلاء ليختبرني في صبري على احتمال الوحدة والإقصاء والاتهام والعنف المبرر وغير المبرر، حين خلقت جمعت ذرات جسدي من كل الكائنات حتى كل الحيوانات، حين تضرب قطة تبكيها القطة التي في داخلي، وحين يحضر الطعام يبتهج الكلب في وينبح، حين يذهب أحد لمكان دون علمي أصبح نسرا احلق فوقهم واعرف ما يجري، أخشى أن أظلم النجوم دائماً افترض انتمائي لاحداها لكن لا يمكن الجزم. تفوح رائحة تبن وشعير الآن، حظائر الحيوانات منتشرة واتجاه الرياح مساءً معاكس للنهار، لم اسمع صوت الجمل منذ مدة، والابقار في الحظائر الشرقية غالباً مع أن أغلبها تأتي قبيل عيد الأضحى، بقيت الأغنام والخراف، لم أحب الصوف يوماً رائحته مزعجة ومثير للحساسية، استغرب كيف كنت أنام على جاعد قبل سنوات، جدتي وأقاربي عموماً اعتادوا على نزع الصوف أثناء السلخ ومن ثم ينظف جيداً ويبطن بقطعة قماش فيصبح فرشة شتوية ممتازة وأنا كنت أحملها لانام في اي بقعة على الأرض، كل بيت كان فيه ثلاث قطع من الجاعد على الأقل، ما زلت كلما نظرت للمرآة رأيت جدتي، ربما كل سلام العالم اجتمع فيها، وأنا أبحث عن قطعة واحدة منه." 
عجيب ! محطات كثيرة وعجيبة، في النهاية هل نحن حقاً مؤتمنون على أفكارنا، مشاعرنا، مبادءنا ؟ وسنحاسب عليها كما هي ؟؟

السبت، 12 مارس 2016

كيف اخترق الرصاص قدماي



حتماً تتميز كل بلاد وكل ثقافة بموسيقاها، الموسيقى الفرنسية دافئة وتضج بالحياة، لكن الإسبانية مثلاً تضج بالفرح والحماس ويخيل إليك أن العازفين يتصببون عرقاً من فرط البهجة، إلى الألوان التي ترشح حزناً، والتي تشبه حوارك مع نفسك، أو رقصة أشجار معمرة طويلة في ساحة مفتوحة، أو تلك التي تسبر أعماق الكون بحكمة ورصانة عظيمتين.
شاهدت قبيل أيام بطاقة بريدية تعود لباريس خلال عشيرينيات القرن الماضي، مصمم الصورة بلاشك كان يتوقع أن يراها أحد بعد تسعين أو مئة عام، الصورة لميدان عام في باريس ومقهى تجلس فيه فتاة بتصفيفة شعر تنتمي لتلك الفترة مع ألوان يدوية على الفستان تعود للزمن ذاته، مع رجل يرتدي بدلة رسمية، نفس ما قد تشاهده في فيلم Midnight in Paris ،خرجت بانطباع إيجابي لحد كبير من مشاهدته، ويبدو أن الإعجاب بالفيلم وصل لحد تقدير اختيار الشخصيات والدقة في محاكاة اللهجات والممثلين إلى كل التفاصيل الموجودة.
يحدث في مكان ما في اللحظة الزمنية الفارقة بين الثمانينات والتسعينات أن تجد هاتفك يرن، قبله منذ نصف ساعة كنت تضع شريط الكاسيت في جهاز تشغيل الموسيقى، في الصوت بعض الخربشة من خدوش شريط البلاستيك الذي يحمل التسجيل داخل الكاسيت، اجتماع.
الموسيقى تعد أرواحنا صباحاً لعالم جميل مسالم هادئ، لكن بمجرد خروجك من عتبة البيت، تتعرض للخيبة المعتادة مع كل شيء في الخارج، وصولاً للمدينة الصفراء.
تعلم جيداً أن الأخبار لاتسر أحداً، الجيش يقتحم كثير من الأحياء، الشهداء يتصاعدون، والشعار سكين! كل شيء يتدحرج نحو مالانعرف، أحب جيداً ما أنا عليه والتطورات على الساحة السياسية وعلى القضية ليست دافعاً لتغيير على صعيد المجتمع وقناعاته ولاسيما قسراً، أجزم أن فتيات بعد عشرين أو ثلاثين عاماً سيحملننا المسولية، لكن ترون التيار جارف و"البلطات"و الكلوركس.
لست من كوكب آخر، أدرك أن لكل شيء أثر سيمتد لاسيما أن الحال بالتأكيد سيصل لتهدئة كونية قسرياً قريباً وإحساسي لايخيب. المهم على صعيد أنشطتي التطوعية هناك مايثير امتعاضي وغضبي وحرقة قلبي، الأمور تتغير بشكل سريع، بدل أن ننهي نشاطنا بأفضل مخرج نتصرف كأننا في آخر الوقت دون حماس مع تقشف وتغييرات على عدة صعد، وأكره أن يخيب ظني جداً، 
أغضب من أشياء كثيرة، منها ملا يستحق الذكر لكن مهم بالنسبة لي، جارتي اللطيفة تغيرت أصبحت تنتقد الأغاني والموسيقى! ياالله، هذه هي الموضة الجديدة. لاأخجل من نفسي، ولا من عائلتي، ولامن وضعنا المادي لأننا مثل الأغلبية، لانخالف مبادئ ولانسرق لقمة أحد، ولانعيش على آلام أحد، ولانكذب ونجامل العالم من أجل طعامنا، والديّ يتعبان جداً، وأنا كبرت سريعاً مقارنة بحوض النعناع الذي نشأت فيه.
أشعر بالغضب لأن أحداً لم يدفعني ويوفر لي درساً مبكراً قليلاً، أو فرصة أبكر لفتح النافذة، ربما أموت في الاجتياح القادم، ربما أعلق خارج البيت خلال حظر التجوال! 
أكون سعيدة بالعمل مع الفريق، يشعرني الأمر بأنني على قيد الحياة، بعكس الجلوس في البيت وكأنك جزء من الجدران، هنالك بيئات يتطو فيها المتطوعون لأنهم اعتادوا ولأنه واجبهم، تجدهم يقدمون وقتهم وجهدهم، وهناك من يأتيهم مسافراً يحسب ألف حساب لما يبذل ووقته الثمين، هذا مايحبطني، أشعر أن جهدي يذهب سدىً، نحن نفعل بدافع ولهدف، لكن رمياتنا قصيرة عاجرة ولا تصيب إلا أطراف حلقة الهدف، نحن لانصل للشبان في الشوارع والأزقة، ولاالمصابين، كل الجهد في حدود المعقول وأنا أكاد أجن، بالكاد يخرج 10% مما أستطيع وأرغب بفعله، علاوة على هذا تلوح في الأفق إمكانية سحب الحافلة التي تأخذنا كل مرة لمكان نشاطنا!! 
المدينة كبيرة نوعاً ما، تحاول أن تواكب المدن الكبرى على استحياء، لايمكن أن أصف لكم دهشتي أول مرة رأيتها، لكن الآن ارى أمامي بلد شاحبة، أتخيل نفسي أمام سائق الحافلة الكسول الحريص على الوقود، أصارحه بكل وقاحة بأن الفريق بأكمله اتفق معه أن يوصلنا كل مرة، وأنني وإن كنت لست قريبة تماماً يجب أن أتواجد لكي أتواجد لأن من الضرورة لي قبل أي شيء أن أتواجد، ثم أخبره عن مدى التضحية التي أقدمها لكي أصل وأشارك، سيصبح قلبي جمرة لحظتها، ويصل اللهب عيناي، ثم أخرج منسحبة، يستحقون.
من المؤسف أن زميلتنا الثائرة الشقراء، ترى أن الحافلة لاتستحق كل هذه الجلبة، بل وتجعلها موضوعاً للسخرية ولاتعلم بأنها ليس مضحكة، لاأجد جدوى من مصارحتها بالحقيقة بكل الأحوال. استيقظت بعد منتصف الليل على كابوس مرعب، سمعت ابن عمي يصرخ في معتقله، حركت رأسي مع شلل تام في يديّ المنبسطات على الجانبين، يبدو أنهما كانتا مكبلتين! 
أمس وأنا خارجة أسرتني أم أحمد وهي تلحق الجنود المشاة بالحجارة، الحمقى حاولوا اقتحام البيت، يبحثون عن ابنها ويقتحمون البيت للمرة الثالثة على التوالي، برأيي هو محظوظ لأنه سيلتحق بالثوار أولاً، وسيجوب العالم ثانياً، حياتنا جحيم هنا نعيش على أخبار يومية تخلو من الفكاهة، وأتردد مع أمي إلى البريد مرة في الشهر من أجل "المعلوم" الذي يرسله والدي من الخارج، ليس لديه شهادة من المعهد لكن لايهم طالما أنه وجد عملاً هناك، وربما تنجح المساعي ويأخذنا عنده عمّا قريب.

الاثنين، 1 فبراير 2016

التطرف



أن تدفع خصمك للتطرف أسهل طريقة للتخلص منه. تكريس مفهوم التطرف لدى الرأي العام كاتهام وادعاء على الخصم، كفيل بكسب القضية لصالحك من جانب الرأي العام.
أما، كيف تصنع متطرفا؟ تأتي من وجود عدو أو جهة تهدد المصالح الاستراتيجية، قد لا يشكل خطرا هذا الخصم في الوقت الراهن، لكنه بكل الأحوال مصدر تهديد محتمل يفضل التخلص منه ، صناعة التطرف هي أول مهمة في سبيل التخلص من العدو أو الخصم، يتم حشره في الزاوية مع وجود استفزاز مستمر من طرفك تستغل فيه ثغرات موجودة في أي جدار، ما يؤدي بشكل طبيعي للتصدي من طرفه والرد على الاستفزازات المتكررة، التي قد تأخذ شكل معاكس لفعلك الاستفزازي القانوني ظاهريا، فتبدأ انت بتحييد خصمك عن العرف والمنطق على شكل مزيد من الاستفزاز والعكس صحيح، على مرأى من العامة، لحظتها سهل عليه أن يقع في فخك ويتبنى أي وجهة متطرفة في سبيل التخلص من ازعاجك وتهديدك ومضايقاتك وحتى اختلاف وجهته قد تكفي لوصفه متطرفا، لحظتها ستستغل الفرصة الذهبية وتظهر أمام الملأ حاملاً شعلة العدل والمنطق والوسطية والأهم انك ستشهر سيفك أمام من يهدد استقرار الكون والطبيعة ولن تبذل جهدا في كسب الدعم والتأييد فتسيطر وحيداً مسرورا قوياً حسن السمعة وتفعل ما تشاء أيضاً.
نماذج كثيرة حالياً تشبه هذي الحالة، مثلاً بعيد الحرب على العراق في مؤتمر صحفي جمع الرئيس الروسي والأمريكي بوش، أثنى بوش على العملية الديمقراطية التي تسير السياسة والحياة الأمريكية وطلب من روسيا والرئيس بوتن تحديداً أن يكون أكثر ديمقراطية ودعماً للحريات وحقوق الإنسان، لحظتها كمشاهد وجدت نفسي أقارن بين الرأسمالية والاشتراكية، هل يعقل أن يكون إرهابياً فعلاً؟ قاطع الروسي المذيع متعذرا ورد ضاحكاً 'أوه، هل يقصد الرئيس الأمريكي، أن نتبع ديمقراطية الولايات المتحدة كما في العراق؟' مر الموقف بسرعة ضحك الرئيس الروسي والصحافة الموجودة، وطلبوا سؤالاً جديداً. واضح أن محاولة بوش لم تفلح لكنها نجحت في أماكن أخرى ومع أشخاص آخرين، كيف استغل الإعلام بثقله العظيم هفوات القذافي وكتابه الأخضر ليصبح مختلا عقليا متجاهلين نجاحاته السياسية وإنجازاته على صعيد الجمهورية، ومتجاهلين أيضاً ما سيؤول إليه وضع البلاد حتماً. نفس الحال مع الوهابية مع اختلاف اتجاه الحربة، والطائفية في العراق، والفساد في مصر وتونس.
استغلال هذي الثغرات لذات الهدف لا يعني عدم وجودها أو عدم الحاجة للتخلص منها، قد يحمل الحديث معنى أن العرب قد يكونون خصماً محتملا وهذا بعيد، بل إن وجود هذي النماذج دليل على استخدام قوي ومتعارف لهذي التقنية ربما، وبداية التساؤل كانت من دافع اجتماعي.
مثلاً فلانة تقول لأخرى أنها تفسد الأطفال بكثرة عتابهم، وإن لم تعرف السبب، تطلب علانية أن تتركهم معللة أن الثانية تحتاج طبيبا نفسيا، تقول أن الثانية لاتقول الصراحة دائماً دون معرفة الحقيقة أو الدوافع،لا تجيد الطبخ أبداً مع أنها تأكل مما تطبخ الثانية، لا تجيد عملاً ما مع أنها سمعتها تثني على عمل الثانية لصديقتها سراً ، تجعل من كل قضية أو حادثة عارضة حالة عامة متكررة ومتعارف عليها،أو كأنها تملك عيون لا ترى إلا السلبيات، تقول الثانية ما لم تقل، وتظن فيها ما لا تفكر فيه أو تنويه أو تقصده.
طريقة تفكيرهما وفهمهما متعاكسة تماماً، إنها تسخر من ذوق الثانية في الملابس وأي شيء وتعتبر اختياراتها مرجع ومقياس، مع أن الثانية لا تعجبها شخصياً اختيارات الأولى بنفس الوقت لا تعلق أو تذم أو تمدح.
اشترت مؤخراً شيئاً، سلب عقلها بجماله وفردانيته، الفكرة مبتكرة جداً وأحبتها، والأولى لم تبق على أحد لم يعرف بعد أن الثانية اشترت شيئاً غريباً وقبيحا، لدرجة محاولة إقناعها بتبديله!!
قد يملك البعض لا مبالاة بهذا الشأن لكن أظن أن العرف يتطلب الإنزعاج، والتصدي لمحاولات صنع صورة نمطية شاذة، لا سيما أن البيئة غير مرنة ولا تملك أفق أوسع للتعاطي مع الأشياء بل وتقبلها.
يعني مثلاً أنت لست بتلك الغرابة، ولا تشارك بالجلسات الحوارية لأن محتواها لايناسبك وتراها مضيعة لوقتك، وهنا برأيي مربط الفرس، فأنت بكل الأحوال لن تبالي بالرأي العام، من مدخل الحرية الشخصية وتناغمها مع العامة. ولكن إن وصل بالفهم الخاطئ للحريات العامة أن يهدد كيانك ومصالحك لا بد أن تنزعج أو أن تفعل شيئاً.