الثلاثاء، 24 مارس 2026

حلقات لا تنتهي






لطالما استغللت بشقاوة ما برجي الشمسي لأسقطه على إحدى هواياتي الممتعة، كنت أفترض أنني كنت وعلًا جبليًا في حياة ما، أي قبل أن آتي إلى هنا، لذلك تستهويني كل المغامرات التي تنطوي على القفز والمخاطرة، وهنا أعنيها حرفيًا إلى حدٍ ما، أجد متعة في القفز بين الصخور عند منحدرٍ حاد، أو في أرض غير مستوية. حتى أنني في حلمٍ واعٍ قريب، كنت أصعد جدار جبلي شديد الإنحدار نحو كوخ صغير في الأعلى، ثم وجدتني أرسل بعض المأونة للمنتظرين بالأسفل. كنت أحسب زاوية انحراف الصخور بطرف عيني، وأرتب خطواتي بعقلي قبل أن أبدأها، عملية رياضية عميقة، تمامًا كما تفعل القطط، خطى نظيفة أنيقة مدروسة، بسلاسة وهدوء. 
تداعب عقلي فكرة التوقف عند السلاسل الجبلية الموجودة قرب مدخل مدينة العقبة، لا تشبه شيء إلا تلك المخابئ التي التجأت إليها الفتاة في رواية "النبطي"، حيث الحرارة في الأخاديد الصخرية أبرد من الخارج، ولا يجرؤ أحدٌ على إزعاجها. تتواجد الخيول والإبل في الخارج، ليست بعيدة عن الخيام، ويتصايح الرجال حيث يتداولون الشؤون الآنية، أو أخبار إحدى الصفقات، وقد تتحدث مجموعة من الشبان عن أخبار قادمة من مصر أو المتوسط عن طريق قوافل أخرى اتصلت بهم، وربما يناقشون مشكلة شخصية لأحدهم مع فتاة يحاول ترتيب الأمور معها، ربما هي العائق أو والدها الرجل الذي ينظر إلى أبعادٍ أوسع، ولا يشعر بالأمان في ظل القلاقل الأخيرة التي قد تضطرهم للانتقال لمكان جديد، من يدري. هي مناطق غير مأهولة حاليًا، إلا من بعض عابري الطريق أو سيارات الدفع الرباعي التي تبحث عن طرق بديلة.
كما أنتظر بفارغ الصبر، تجوالي في إحدى الغابات القريبة، أريد أن أرى التفاصيل، الحياة الصاخبة الدقيقة. أستغرب أحيانًا كوني لم أتخصص في مجال الأحياء الدقيقة أو الطبيعية. أتذكر أنني أنهيت موسوعة الحشرات في عمر صغير، حتى الدليل المختص بتشريح الحشرات والزواحف، وقتها من شدة الولع عاهدت نفسي ألا أتخصص إلى في مجال يدرس هذي الكائنات بشكل أعمق، وكذلك نكثت بوعدي. لا أشعر بالإحباط، هناك مخزون كبير من الأمل، من يدري أستطيع أن أغير المسار في أي لحظة، ثم إن الهواية والإهتمامات لا تدع مجالًا لليأس. 
ثم وفي وفرة من السلام والوقت، كنت أقبض بيدي على حفنة من توت العليق الأحمر، وغيوم كثيرة تحف السماء، المباني رغم ترتيبها تبدو عشوائية. ما زلت كما أنا لم أتغير، أصبحتُ أقرب، أصبحتْ الأشياء أوضح. المرونة في المحيطات الفيزيائية تبدو شحيحة، ما زالت تلك الطفلة تلهو في الجوار، تبحث عن فراشة أو دعسوقة أو طائر ماينا شرير يمارس فعل الإستعمار كغيره. 
لاحظت أن متاريس الحياة تحاول أن تسلبني إنسانيتي، لكن ها أنا أقاوم، لا أريد أن أتغير ولا أريد أن تفقد الحياة الألوان. برغم القسوة تتمتع الحياة بجمالٍ خلاب هنا، برغب حبي للصحراء كنت أفتقد كل هذي الألوان والهدوء وسط الضجيج. وأختار أن لا أنظر للسماء المضطربة.

الجمعة، 26 فبراير 2021

ولا تهنوا ولا تحزنوا


 

بعض آيات القرآن تجاوزت كونها آيات فيها النصح والإرشاد أو النهي أو التوجيه. منذ الألفين وبعد توالي الأحداث الصعبة، أصبحت المشاكل والمخاوف أكثر، كل يومٍ شهيد، ومكبرات الصوت كثيرة، كل يوم أسماء شهداء مختلفين، اجتياح جديد، ودعوات لمسيرات مختلفة الغايات. بعد كل حدث يهز القلوب نرى السيارات ذات الأصوات المرتفعة تجول الشوارع وتردد نفس الآية بصوت القارئ أحمد العجمي. فكرة استمداد الطاقة من الله عظيمة، يعني نحن مضطهدون محتلون، فلا خوف علينا ولا حزن، ثم أننا لسنا وحدنا من يمر بهذي الأزمة، في هذي النقطة تسرية كبيرة. وإن كانت تساهم في تضخيم قضيتنا في نظرنا وفي تصورنا للعالم الخارجي، بعضنا يخرج ويصدم من أننا كمن يرقص في العتمة، حزين، صحيح.

إن كنتم مؤمنين، يعني لا حزن إن صدقت بها تمامًا. تكررت الآية على مسامعنا كثيرًا، وارتبطت بأحداث مفصلية، قيلت في استشهاد أشخاص نعرفهم، أو في هدم بيوتنا أو أحداث أخرى قريبة، كل مرة تعاد أشعر بأنني احتجت لأن أسمعها مرة أخرى، فتأتي جنازة أخرى وتعاد الآية. في مرة فكرت وتساءلت إن كان القوم الآخرين الذين مسهم قرح هم نفسهم الأعداء حين تصيبهم صواريخنا البسيطة، ذلك كان بعد رؤية جندي  في قمرة الجرافة الضخمة، يضحك وهو يقتلع شجرة الظل خاصتنا، يا إلهي، إنه إنسان مثلنا، يشبه أشخاص أعرفهم. لماذا كنت أتخيل أن العدو يأتي بصورة وحش، ربما له عين ثالثة أو قرون أو لون بعيد عن ألوان البشرة المتعارف عليها. كنت صغيرة، لا بأس.

الجنازة التالية، ربما من أصابهم القرح ليسوا الأعداء ولكن أناس يعيشون في بلد آخر، كانت تتوالى الأخبار عن أفغانستان وباكستان والشيشان، المساكين ربما سيصلهم دعاءنا. ثم الاجتياح الذي بعده، يقول: "وأنتم الأعلون" لماذا ؟ لم نفعل شيئًا كبيرًا، كل ما فعلناه هو الصبر، وهو ليس شيئًا كبيرًا برأيي وإن كان صعبًا للغاية، خصوصًا عندما تمني نفسك بأن النهاية اقتربت وأننا سنرتاح قريبًا، لماذا نبقى؟ أحيانًا لا أعرف، تنتابك رعشة بالقلب حين تتذكر قول المتنبي "كفى بك داءً أن ترى الموت شافيا".

رأيت منشور في فيسبوك يعلق تحته الأشخاص بحقيقة علمية محزنة، أحدهم قال أن بعض الأشخاص لا يملكون صوتًا داخليًا. محزن فعلًا، طيب كيف يترجم عقلهم العواطف والأحدث، كيف يترجمون ذواتهم واحتياجاتهم، أتخيله أشبه بالبرمجة. المهم، بعدها استيقظت على ضجيج داخلي، يشبه وجود أطفال يعبثون بألعابهم أو عصافير مزعجة أو حتى نقاش محتدم بين نساء الحي في وقت القيلولة. الصوت كان مرتفع، "هااا، متى تموتي وتريحينا؟" وصوت آخر أكثر حكمة "ألا تعتقدين أنه حان الوقت؟" مشيت بهدوء نحو النافذة، أوبس أنا قريبة من الأرض، لا بأس ربما مرة أخرى، أحتاج حوالي نصف ساعة لأستيقظ تمامًا وتختفي الأصوات، قبل أن تختفي كنت أضحك ساخرة "مهلًا، ما الذي حصل لأسمع كل هذا الاحتجاج؟"، لا جواب مع أني كنت أشعر بالاختناق. توجهت نحو التلفاز، وهو يشتغل الآن على مسلسل "الأصدقاء" رفيق الأوقات كلها، مفروض أن يجعلني أتحسن. لم أتحسن. راجعت قائمة أحلام الليلة، وكان هنالك سببًا مقنعًا، رأيت فيما يرى النائم أنني في غزة أخيرًا، والفيفا قررت تنظيم كأس العالم 2022 هناك، كنت أتجول قرب دوار الدفاع المدني، متجهة إلى شارع المحلات، الاستاد الكبير كان محل مسجد الأبرار، ولكم أن تتخيلوا الازدحام، أشخاص من كل العالم هناك، بالتزامن مع سوق السبت. العربات التي تجرها الحمير والأحصنة كانت تزاحم الناس أيضًا، كنت مبتهجة واتفقت مع عدة أشخاص أن نحضر عدة فعاليات سويًا، هذا حدث كبير سنتشرف باستضافته. على وشك الانحراف يسارًا تجاه شارع المحلات أنادي شخص نسيت من يكون، بينما أنظر للخلف وأنادي، كانت طائرة تقترب دونما صوت بهدوء للأسفل، ترتفع عموديًا فوق تقاطع الشوارع المؤدي إلى السوق الغربي ودوار العودة، في غمرة الحماس لم أتوقع ما سيحصل تاليًا. سيناريو مشابه لما حصل مع مسيرة السلطان عام 2005، بدأت الصواريخ تنهال فوق الناس، قلت لنفسي هذه فعالية عالمية الأنظار كلها تتجه إلى هنا، لا بد أن يتوقف هذا حالًا أو أن يوقفه أحد. احترق كل شيء. حتى أنني نسيت من كنت أنتظر وأين كنت سأذهب، انتهى كل شيء فقط. ثم استيقظت.

هناك تطبيق يصنع الملصقات لاستخدامها في واتساب، أتخيل أحيانًا أن تلك الأحداث تحولت إلى ملصقات "ستيكرز"، في كل مشهد أرى ذهني يضع ملصق ما على الصورة، في مشهد لممر أخضر ومبانٍ محيطة، في الوسط خلف الأشجار يطبع الذهن صورة لرأس دبابة متحرك يبحث عن هدف. ثم في الممر المفضي إلى المترو، حيث البراح والاتساع والحداثة، تتناثر الجثث قادمة من اليوم الأول من أغسطس عام 2014، تتناثر بشكل فني، بعضها سقط لأن الحواف مرتفعة وعالية، أمشي سريعًا هربًا من تلك الصور، إلى الدرج الكهربائي نزولًا للأسفل، ثم أكمل الهرب من سائقي التكاسي الذي يبحثون عن راكب بالإلحاح ومن الصور المتكومة في الداخل.

أفكر بفلسفتين متناقضتين، الاستغراق والطفو، مؤخرًا يعني من عدة سنوات قررت اتباع سياسة الطفو مع كل شيء، فبها تتمكن من رؤية كل شيء تقريبًا، ولكنك لن تصل إلى مكان معين. بينما بالاستغراق أنت تعطي نفسك حقها، لكن ستنزل رأسك للأسفل كثيرًا إلى أن لا ترى ما حولك، وهذي المرة قررت تجربة الاستغراق، على أن نعود للطفو لاحقًا. الاستغراق والطفو، ما دخلهما بالفيفا والعجمي؟ هذا جال بذهني عندما فكرت بمصير النص إذا قرأه شخص آخر. وسيناريو طويل لا داعي لذكره الآن.

الخميس، 24 يناير 2019

كنافة



أفكر بمقولة براءة حول الرغبة والأعمال، أننا سنصل لمرحلة نفعل ما نفعله لا لأننا نريد بل لأن هذا ما يجب أن يحدث، وأفكر بنفسي، هل أقوم بتركيب تقوييم للأسنان، وإجراء عملية ليزر لتصحيح نظري، أليس كل هذا لتحسين قدرتنا على العيش أكثر، والحصول على المزيد من الحياة؟ أنا فعلًا لست زاهدة، لكن ليس لديّ شيء هنا. لا لست يائسة، بل ربما أكثركم إقبالًا على الأشياء، وأكثركم حماسًا للحياة، لكنني متعقلة قليلًا، ليس لديّ ما ألهث من أجله، إلا ربما أحيانًا كي أثبت أنني لست ضعيفة أو جبانة أو أقل شغفًا ربما. 
دائمًا أؤمن أن الجموع تحرم الأفراد من بعض الخبرات المهمة، وربما أكون مخطئة، كل التجارب المفردة أعطتني ما يكفي  من الأجوبة، ورمتني بآلاف الأسئلة، لكن بالطبع حين أكون مع المجموعة، هناك شيء ما لا يدرك، هو ربما الخيط الذي يربط الجميع إلى بعضهم، قديمًا كنت أخاطب النجوم، وأبحث عن نجمتي الحقيقية، كل يوم كنت أجد واحدة مختلفة، أردت أن أعرفها بحدسي، لأنه الطريق الأصوب، وكما ذكرت في تدوينات سابقة، يبدو أنني أخذت حفنة من كل نجمة. عندما أتحدث بهذي اللغة لشخص عادي قد يسخر مني، ويجعلني غريبة، هذا يذكرني برغبتي المحمومة بتجنب التبرير والشروحات لمن لا يهمه الأمر. في رحلة الإنسان في التعرف على ذاته، قد يعرّج على الجزء المادي منه، وهنا لا داعي لأن أؤكد على انتمائنا للكون الأبعد جزيئيًا، لأن هذا سيسلب من النص بعضًا من سحره، يا عاديين يا جهلة يا مزعجين.
يا إلهي كم نهتم بالمظاهر نحن، ما زلت متمسكة برأيي، لا داعي لأن أرسخ فكرة النمطية والتنمط، لن ألبس بدلة لكي أجعلهم يحترمونني، أنا ما أنا لأنني إنسان ولأن لي تجربتي، لا داعي أن أرفع شهادتي مثلًا أينما سرت، ما أحظى به من إنسانية يعتبر حق، لا يمنح بناءً على امتيازات معينة، يا الله كم مزعج تكرار هذي الأمور كل يوم، ربما أكررها حتى لا أنسلخ عنها أو تسقط مني.
يخبرني صديق أنني إن أغلقت الفراغ بين الثنايا ستزيد ثقتي بنفسي، وبالتالي المزيد من الاختراق الأفضل نوعًا في المجتمع، مع أنني لم أحصل يومًا على السيء منه. أشعر ببعض التناقض هنا، هل هذا فعلا ما ينقص؟ مع أنني أعرف جيدًا عكس صحة الأمر، خلقت قوقعة محكمة حول صدقية الأمور والاعتقادات، وأصبح كل شيء ساخر، حتى كل ما أصرح به يتبع المدرسة التهكمية، ثم أنا مع هذا الإرهاق الذهني قد أضيع في هذه السخرية، المدهش في مرة هو حتمية الأمور والمآلات، يا الله كم لبثنا.
أفتقد سطح بيتنا، كان لي عالم فسيح هناك، أفكر أحيانًا بحمل كيس النوم خاصتي والذهاب للصحراء، من المخجل أن أخشى الحشرات والعنكبيات الخطيرة ليلًا والزواحف، فهي تعرف غالبًا أنني أثق بهأ اكثر، لا أعرف لماذا، طيب ماذا سيظن بي رجال الأمن وأنا أتجول وحدي بالصحراء؟ ليلًا أيضًا، ولا أعرف ما يوجد هناك، وما  سيوجد؟ مزعج وبائس ومحزن، وحين أتحدث عن الأمر يبقى في مجال السخرية، وهذا للغاية مزعج بالمناسبة.
كما أفتقد خبزنا، والطعام الدافئ، والسجاد الكثير المترامي فلا أشعر بالبرد إن خطوت هنا أو هناك، فأنا أتقافز على القطع المتناثرة، هناك كنت أطبخ ويبدو الطعام لذيذ للغاية، هنا أطبخ وأتبع نفس الوصفة والوقت، لكن الطعم يشبه القيء، في كل مرة أجدني مرغمة على أكل ما أطبخه، اتمنى أن يكون الأمر نابع من شعور لا حقيقة الطعم، فأنا أثق بموهبتي في الطهي. في الحقيقة أنا أخشى أن أشعر بما أشعر به، منذ عدة أيام قرأت مذكرة كتبتها في لحظة من أكثر اللحظات يأسًا، قهقهة للسماء ثم بكاء مريع، يا الله كم لبثنا؟ أنا أكتب ولكن لا أصدق كل ما مر، ما زلت أكتشف الأشياء تباعًا بعد مدة زمنية طويلة نسبيًا.
مؤسف أن أظل حبيسة النكسات الطارئة، والانتكاسات المعاكسة، بكل الصدق أريد أن أموت وأرتاح، مثل كل من نحبهم ورحلوا، أريد أن يسقط عن كاهلي كل هذا الوزن، الذين رحلوا وتركونا في أوج قوتهم هم الأوغاد، أو الأذكياء حتى، والله نحن لا نطيق حمل ما نحمل يا الله، في هكذا حالة أجيز الهروب، ولا ألومهم لأنني أحب كل من رحلوا، وأحيانًا أعزي هذا لقلة حيلتي وأحيانًا أخرى العكس تمامًا. أنا لا أريد أن أموت، أنا لا أريد أن أموت مهزومة، مع أن الوقائع تشير إلى استنزاف مستمر ينتهي بالقهر القسري لنا كلنا، وهزيمتنا ليست أمام غيرنا أو أمامنا أو أمام القضايا العظام، بل أمام الحياة.
بعد استيقاظي بقليل، استغرقت في حلم يقظة، كنت وسط مجموعة أسمع فيروز، مغمضة عينيّ مستغرقة في حلم يقظة، متجاهلة محاولاتهم للاستفهام عن شرودي، وهناك رأيت في حلم اليقظة أحد يطلب مني اختيار شخص واحد أودعه في حال تقرر أن أموت خلال ساعة، رفعت رأسي وجدت أحد الأصدقاء ينظر إليّ ويسأل:"فيم تفكرين"، قلت له باختصار، فحاول يتسائل ليصل إلى إقرار مني بأن الشخص الذي اخترته هو حب حياتي، أزعجني الأمر، لأن هذا غير صحيح، أخبرته إن كان هو مؤمن بالتناسخ فلأن هذا الشخص ينتمي لذلك العالم كما أشعر، وإن كنت أنا أنكيدو فذلك الشخص هو جلجامش، لا أكثر، وضِعْتُ في جدلية تساؤله المستمر عن ماهية الحب؟ وكيف أعرف أنني ربما لا أعرف ما الحب، لذلك كانت ثنائية جلجامش وأنكيدو صياغة التفافية مني. غريب للغاية، هل يوجد أوضح مني أنا؟ 

أريد أن أكتفي بهذا القدر

24/01/2019
13:10 بتوقيت الدوحة

الجمعة، 11 يناير 2019

زهور

صباح الخير !
أجد صعوبة في كتابة ما يشغل ذهني الآن، أشياء كثيرة من الصعب ترتيبها، منذ عدة أيام أشعر أن قلبي يرف بسرعة أكبر من المعتادة. ربما هناك ما يخيفني ولا أدركه، في الواقع إن المحفز المخيف المجهول أكثر إخافة من المعلوم، لا داعي لإثبات تميزك كل يوم وفي كل فرصة، ينبغي أن تكون هناك متعة في العادية المفرطة. بعض البشر مملين إلى درجة عدم استشعار متعة المسابقات الصغيرة، هؤلاء يسيرون إلى أين؟ أنا لا أعرف. الملل مزعج جدًا، اليوم كنت على موعد مع الخوف، يبدو أننا أصبحنا أصدقاء، أخيرًا. 
هناك رغبة ملحة أعلم، في الخوض في تفاصيل لقائي ذاك، كثر يسخرون مني حين أتحدث عني بصيغة الـ هي والـ هم، طيب ماذا يعرف هؤلاء؟ وماذا يفهمون من الأمر؟ هم على الأقل لا يعرفونني، ما زلت لا أنسى قول صديقة لي عن مدى طبيعية الاختلاف والتجاذبات في دواخلنا، كانت وما زالت الشخص الوحيد الذي وافقني الرأي في هذه المسألة، أو بصورة أدق، لم تسخر مني، كوني أمزح كثيرًا ولا تبدو عليّ علامات الانزعاج، يجعل الآخرين يظنون بأنني لا أتحسس من المزحات الجارحة، أحب المزاح لكن أعرف جيدًا أن المزحات لا تخلو على الإطلاق من الحقيقة.
كما تبدّى مؤخرًا مدى كذبي، أكذب في بديهيات، أصبحت أقتنع بجهلي بأمر ما مثلًا وأقرّه، لكي أتهرب من نقاش ممل أو مزعج، أو من شخص مزعج، أو مللًا دون سبب آخر. أعتقد أن انسجامنا في أي شيء لا يمكن أن يكون كاملًا، هذا ما اراه بحكم تجربتي حتى اللحظة، شعرت في الأمس وقبله بألم خفيف خشن في مؤخرة رأسي، نمت ونسيت وداع صديقة مسافرة، ورأيت كابوسًا لأول مرة منذ مدة، مع اعتقادي الملازم بأنني أحلم وأنسى بسرعة، لا أتذكر ملابسات الكابوس، لكن كابوسًا كهذا كان يمكن أن يرعبني ويخيفني لدرجة عدم النوم لوحدي، هذا لو راودني منذ سنوات أو عدة أشهر، سرعان ما انبثقت أخرى في ذهني، كل هذا كان في ذهني، انبثقت أنا أخرى، جلست على كرسي بيدها دفتر ملاحظات وقلم، عدلت النظارة بإصبعها الوسطى وقالت: آهااا، مخاوفك تعكس شيئًا واحدًا، أنت تتعطشين للاهتمام ممن هم حولك، ربما لأنك لم تحصلي على الكافي منه في صغرك، أنظري للكابوس يا عزيزتي، ألا تلاحظين أن أدوار الأبطال فيه توافق الواقع بشكل ما؟ لكن هل يخيفك هذا الأمر الآن؟. فانبثقت ثالثة بجناحين وقالت: " هل ينبغي على ما يخيفنا أن يخيفنا؟"، سؤال مهم للغاية، فكرت بطرحه في فيسبوك لحظة استيقاظي، لكن ما الفائدة، السؤال يبدو كأنك تقول هل يمكن شرب الماء بدل الماء؟ ولا داعي للمزيد من العبث في وسط ذلك العبث، أحيانًا أشتهي أن أجد ذهنًا غيري، أستفزه ونحاول إجابة تلك الأسئلة. 
كنت أول أمس في تدريب للمناظرة، طلبت الفتاة المدربة أن نرد على مقولة باستخدام منطق الموالاة، نجحت في الرد، ثم رفعت يدي لأجيب بمنطق المعارضة، أجبت ثم أردت أن أهزم نفسي في الجولة الثانية بمنطق الموالاة. أثار ما فعلته استغرابي، هل أستخدم نفسي لكي أشبع حاجتي على الأقل للكلام؟ للمحاججة؟ للسباق الدائم؟ هل حقًا كل من حولي لا يقدمون الحد الأدنى من التواصل المفيد؟
أتذكر مقولة كنا نسمعها ونحن صغار "أن تتحدى نفسك"، هل أتحدى نفسي الآن؟ أم أنني أضيع فيها؟ ما حصل لاحقًا مع الخوف، هو أنني استحضرت الكوابيس والمخاوف التي أعرفها فيّ، وبدأت أستعرضها أمامي، ولا شيئ يخيف! بالمرة لا شيء يخيف. ما السبب؟ كنت أقول لنفسي وأنا أحدق بالسقف، هل كل هذا يغير شيء؟ ما الخوف ولماذا نخاف؟ أنا لا أبالي تجاه أي شيء كما يبدو، جربت متعة فارهة قبل عدة أيام، شعرت بسعادة كبيرة، قلت في نفسي : معهم حق ألا يفكروا بالتعساء سكان الأدوار العليا، عدت متوقعة ألا أشعر بتعاسة التعساء بعدما رأيت، وبعد عدة ساعات استيقظت على غصة كبيرة، لا أعلم سببها، لكن طيف التعساء مر أمامي، وتركني عاجزة عن التنفس، هكذا ربما عرفت أنني لن أغادر نفسي الأولى والوسطى وما بينهما.
ربما إن كنت أخاف من العناكب مثلًا، سأشعر بالخوف إن رأيت واحد أمامي، ولكن هل بالضرورة أن يحصل هذا؟ هل الخوف كيميائي لا أكثر؟ يعني في حالتي مثلًا، أنا أخاف من بعض الأمور، لكن جسدي لا يفرز ما يصنع الخوف فيّ، والخوف المحفِّز برأيي: هو كل ما نخشى حصوله ويهدد مصالحنا الوجودية بالضرورة. من أنا إذًا؟ يجب أن أكون صريحة وأقر أنني بدأت أستشعر تغييرًا مؤخرًا، تغييرًا في كيمياء دماغي، شيء يمكن أن يجعلك تفقد صوتك وحماسك، دون الشعور بالقلق والإحباط، أتمنى أن يتغير للأفضل في الحقيقة، دائمًا أدّعي أن الدماغ يتمدد أفقيًا، عندما كنت أعرف شيئًا جديدًا وبغض النظر عن قدرتي على الوصول إليه لاحقًا أم لا، كانت تفتح غرف جديدة بشكل مستمر في عقلي. وهذي المرة لا أعرف هل تنكمش ؟ هل أفتحها من جديد؟ أم أفتح غيرها ذاهبة إلى حيث لا أدري؟
هذي البلاد غريبة للغاية، تجمعني بأنواع محددة من الأشخاص، خصوصًا الذين تجمعني بهم معرفة مسبقة، هذا اختبار على أعلى مستوى، أتخيل أمامي لوحة عملاقة مكتوب عليها "حاولي أن تهربي الآن"، شيء في داخلي يقول لي: الهروب لا يفيد، بقدر لقاءاتي الذاتية مع نفسي، إلا أنني في ذات الوقت أهرب منها، أهرب منها ربما لأنني خلقت للعَدْوِ إلى لا أدري، كل تلك الطرق الجديدة، والمساحات الغضة تحبس أنفاسي، مثلًا الهواء في هذا الوقت، لا يعبر إلا عنّي، إذا طلب مني أن أصف ما يوجد تحت طبقة الجلد التي تكسوني، سيكون بالتأكيد عاصفة، مستمرة لا تتوقف، وتضحك باستمرار.
أرغب بالحديث عن أشياء أخرى، مثل الحب مثلًا، لكن لديّ موعد مع الريح الآن.

الجمعة، 4 يناير 2019

ثقوب



الذهن وعاء كما قال حسين، وهذا الوعاء لا يسكب إلا إذا امتلأ ففاض، لماذا يزجون باكواب غير ممتلئة في المقاعد، ثم يطلبون منهم التلاعب بالمصادر ويضجون بالعالم طرحًا وتصديرًا، هذا ليس إلا إسهال معرفي يا صديق.  من هؤلاء؟ كل واحد هو ملك قامته، وملك أرض، هي ليست إفتراضية له فقط، من هؤلاء بربك؟ كيف نمارس ويمارسون الإسقاطات تلو الإسقاطات، آه نعم الفيضان غير متتابع، غير منتظم ولكنه متزن، أو منتظم بنظام ما، لا تجيده أنت، كيف لك أن تدرس دقائق الأمازون وأنت لم تغادر الشريعة؟ 
من جديد، غربان، ونعيق، ونقيق، النقيق ليس متسقًا لكنه يشبه حالة الذهن. الجد والهزل والقوانين سواء، قبل أمس وأمام أشخاص لا تعرفهم، استحضرتك وصنعت لك تمثالًا وأنت وأنا نكاد لا نطيق بعضنا البعض، أنت تكرهني جدًا، وكذلك أنا، أشعر بعظيم الغيظ إذ أراك تفعل ما لم أستطعه، وكذلك أنت بالطبع، فنحن نتبادل الكره وأشياء أخرى، لكن صنعت لك تمثال، وقلت لم أقابل مثله، لقد تعلمت منك الكثير، وما كنت تحديت عقلي على الأقل إلا لولاك، أنا أكرهك وأكره أحيانًا تشابهنا لحد التماثل. أعجز عن تحديد السبب الذي زج بك في كل هذا، يزعجني أنك أصبحت طيارًا الآن، أكاد لا أستطيع حساب التسارع، وأنت أين؟ أنت لا تدري أنت أين.
منذ عدة أيام، شيء آخر زج بك في أحلامي، لقد كنت حاضرًا هنا حيث أدرس، فكرة وجودك شبه مستحيلة، ولكنك أتيت، واستغليت الفرصة لكي أزعجك أكثر، احترمت شيئًا واحدًا فقط، الاتفاق على أننا لا نعرف بعضنا البعض أمام الناس، وها نحن ذا لا نعرف بعض، ونكيد لبعضنا المكائد، حتى كشفنا أنفسنا. آه كم أكرهك.
هل تعلم أنني اعتدت سوء الفهم، حتى أنني ألفته لمدى الاستمتاع به، أخاف أن أنام الآن، ويجب أن أنقطع عن إزعاجك ولو في ذهني ثم أعود.
05/01/2018
05:23 AM

الخميس، 27 ديسمبر 2018

عن الموت، السعادة والأشياء الناقصة




بينما جالسة مع أصدقاء افتراضيين، قلت لهم عن وجه جميل رأيته اليوم، بدا الأمر في البداية وكأنني أغازل أحد الموجودين، أخبرتهم هو شخص غير موجود بيننا الآن، لكن اليوم بينما أتنقل بين المحطات رأيته، زدت بأن رؤية وجه جميل تشبه رؤية حديقة في الربيع، وهذي من جماليات الكون حولنا، يعني لا داعي لربطها بأي هرمون، مع أنها أفعال غريزية الدافع، أعرف مثلًا أن وجهي مريح للنظر، مع هذا عندما يصاب بالبثور أو الجروح أشعر بالارتياح، يعني واضح أن هناك حياة، أما عن الوجوه الأخرى من جديد، أحب رؤية وجوه الأفارقة، الفتيات السودانيات والإفريقيات عمومًا يمتلكن وجوه لا  أمل من النظر إليها، وما رأيت اليوم كان يفيض حياة، كان يشبه بساتين خضراء على مد البصر، مع هواء بارد، خفيف يمر فوق العشب، الذي يمتد لطول نصف متر تقريبًا، وهناك ورود برية متناثرة، مع حيوانات وديعة تقفز خلف الأشجار البعيدة، وكان هناك شجر تفاح في المكان، وخوج وكرز، ورائحة أزهار وفاكهة 
حين أنظر للوجوه، في الحقيقة أرى لوحات وانعكاسات لصور في الطبيعية، أعرف شخصًا مثلًأ وجهه يشبه البحر تمامًا، وجه اليوم سهل أخضر على ربوة، بعض الوجوه سفوح جبلية رمادية مع أكثر من وعل يقفز هنا وهناك.
لست أعتبر نفسي جميلة، ولو كنت خارقة الجمال لن أكون سعيدة، شاهدت منذ سنوات فيلم دوريان جراي، ربما من أكثر الأفلام التي تأثرت بها، كانت لعنته هي الوجه الجميل، لم ولا يكبر مع الزمن، لا يخدش، لا يتأثر، أكيد على الأقل سيصاب بالضجر، ويشعر بالملل من كونه مصاص دماء مثلًا، ولو حصلت على الخلود سأشعر بملل، وقتها سأرى كل الناس، والأماكن، وأجرب كل ما قد يلوح في ذهني، ثم سأتجول في العالم أبحث عن شيء أفعله فلا أجد، بعدها قد أبادر بابتكار أشياء أقوم بها، ثم أشعر بالملل، وقد أكون محظوظة بإيجاد شخص خالد مثلي، فنتشاجر ونجد قضية أخيرًا تستحق الاهتمام والمشاجرة بالطبع، ربما سيكون السبب فستاني بلون غزل البنات، أو من سيأخذ خوذة الفاينكنج الأخيرة المتبقية، وهناك أسباب كثيرة ممكنة، ربما سنتشاجر في مزاد علني على صدرية ليدي جاجا التي على شكل قفازين.
الأمور بتمامها يعني فيها إشكالية، لهذا تؤلم الخيانة الزوجية ربما، أنا مثلًا ليس لديّ مشكلة أن أموت الآن، متصالحة جدًا مع الموت، لكن ليس الأمر كذلك بشكل كبير مع الانتحار، مع أنه يحقق معادلة سعادة بشكل ما، يعني مثلًا لماذا نشعر بامتنان تجاه الموتى أصحاب التجارب  غير المكتملة؟ الامتنان أم الشفقة؟ الامتنان والتقدير، الشهداء والموتى الشجعان، الأمر أكبر من الموت من أجل فكرة، إنه  القدرة على ترك كل الأشياء خلفنا، والدائرة كما قيل غير مكتملة
أعود للحديث عن الفن، كلهم أقصدي دافنشي وأصحابه، رسموا الوجوه، والبورتريه، ولديّ كتب متخصصة في البورتريه، فن رسم الوجوه، لكنها صماء تمامًا، والحقيقية لا تشبه محاكاة أرسطو، الحقيقية تكاد تنطق، باختصار يعني، هناك تقصير بشأن البورتريه، كلنا نعرف كم تسرق ما تسرق منّا هذه الأشياء، ولكنها ترينا من نحن، وما نحن، مرة غضبت كثيرًا وكدت أكسر المرآة، لا أعرف كيف استبد بي الغضب ليتصل بموجة بكاء، حينها كنت قد مللت من وجهي، نفس الأنف والعينان دائمًا، نفس الفم، نفس كل شيء، ولكن ترحل البثور عن الخارطة وتعود للسباحة نحو شاطئ جديد، حين يمدح صورتي أحد، أقول لهم: هذا وجه فنسنت القبيح، في الواقع، فنستن لم يكن وجهه قبيحًا، بل غابة من الجمال، كله طيور وأشجار عالية قديمة، تشبه شواهد عملاقة في عالم كبير كثيرًا، وجهه هو غيوم متحركة فوق تبة صغيرة وغابة وراء جدول، ونباتات مزدحمة، لديه عينان تلتقطان أجمل في ما هذا العالم، إنه يشبه إيزيس، قلبه الغض الطيب كان يتلقى نفس الحجارة من الأولاد كل يوم، يتعافى في نهاية اليوم، يعني حين يحني ظهره أمام القنديل لأجل ثيو، فيترمم كأنه مطاط مُعالج، ويعاود تلقف الأحجار على الطريق في يومٍ آخر
تمسون على خير
28/12/2018
الأولى بعد الخروج من غزة

الجمعة، 12 يناير 2018

دوائر

الطائرات كلها تتجه إلى الغرب، تبدأ موجة سخرية لاذعة من الأسفل، "ليذهبنّ الجميع إلى الغرب" تصرخ عدة أصوات، بالمناسبة يمكنك قراءتها بالسين، يوجد من يتحدث عن الاختلال الذي آلت إليه الأمور، الأوامر المعتادة ذات الجدوى عاجزة أمام الانشقاقات في مصادرها وتوزع الجهود.
قصفت البارجة! الرابض في الركن رقم خمسة عبر أجهزة البث لزميله: لا مفر من الغريزة الأولى، الضمير والوعي الانساني لن ينفعاك... ترررر.. حول... ها؟ الأصوات تختلط سأكمل.. للللن تفيدني شبكات اتصاالك ولا طائراتك، اسمع أعظم شيئ يمكنني فعله هو الإلتفاف على الحقائق، وسأقضم كتفك في النهاية..
عين هنا وعين هناك، لسنا في حالة حرب بعد، يمكنك الاستماع للموسيقى والنظر إلى كتابك ومحادثة جارك على الشرفة، كله متاح وإلا ضعت، خفيف الأحمال!
ربما ما يجن بعقلك كونك شخص جيد، تستغرب كيف يفعل الأشخاص الأمور الروتينية، وقد لمت نفسك عندما عرضت موزة على شخص فرفضها بحجة التوقيت وكان عليك عرض أخذه إياها للبيت يأكلها متى شاء، ولم تفعل! ثم عجزت تمامًا عن تمثيل دور اللطيف المضياف كثير الحكايا لأنك متعب بفتح العين، ولم تستطع مصافحة ذلك الشخص السيء، كل هذا يعني أنك شخص جيد.
إلى أي حد يستطيع الأصدقاء معرفة مدى لطفك من كم إزعاجاتك مثلًا؟ وكيف كيف تستطيع الكلام؟ الغضب المصاحب للسذاجة والكلام السطحي جدا مبرر لكن بدلًا يفترض أن يندلق الكلام.
ثم تريد الحديث عن مدى اشتياقك، وبالمناسبة الجميع هنا حمقى، إذا فعلتها أنت أفلتت من هناك وهكذا، الغضب؟ لا يمكن إنكاره.
لن نكتب كما اعتدنا هنا أبداً، لأننا حزينون ومحبطون، الأمر معقد ويصعب شرحه، مع هذا الإرهاق الذهني عظيم وجود شيئ واحد معقد! "مزاح"
أفكر بكتابة رسالة زرقاء منذ عدة أشهر، لكن لا يبدو أي شيء سانحًا، أعلم جدًا أنني إلى كتابة ما كتبت على حق ثم تصبح أنت المحق وهكذا تدور الدائرة ضدي كالعادة.


الاثنين، 4 ديسمبر 2017

جوانب ستة


ليس في حياتي ما يستحق التسجيل، عندما تكون في بيت لابد من وجود ركن مجهول، لديّ نماذج كثيرة لهذا الركن، كل واحد نتحدث فيه إلى ما شئنا، يظن الجميع أنني أكثر من النوم لا أفعل في الحقيقة، تؤذيني أشياء ربما لا يلاحظها أحد

الحياة أصبحت قاسية مؤخرًا، ويضطر أي شخص يشبهني لاتخاذ تدابير عرفية في مواجهة السخافات، أصبحت أبقى لمدة طويلة في البيت، كأن كل شيء هنا لديه سعار جنسي، الخروج حرج ولديه أوقات، جارات ينصحن بأوقات وأسباب معينة للخروج حتى لا يساء الظن، واضح أنني وقعت في فخ نصبته عندما نسيت تماماً أنني سأضطر للتعامل مع المحيط يومًا ما، كما لديّ جيران متدينون ليس لديهم مشكلة بالتحرش اللفظي أو النظر الوقح، لست أتذكر استيعابي لكل هذه الأمور لكن أصبحت واضحة وكثيرة، بنفس الوقت إن كانت هذه سمة طبيعية لماذا تسبب الأذى؟ 
جميل أن تلازمك الدهشة لهذا السن، ما زلت أدهش أو أصدم عند تعاملي مع النساء في هذي المنطقة، سطحية وبساطة مريعة، مسكينات جدًا ويبررن فظاعات، الغريب في المكان لسن هنّ طبعًا، في أغلب الأحيان لن يتحدث أحد بهذا المنطق وإن كان يفكر به، المهم لا مكان لمن هم مثلي في أي مكان، ونحن كثر بالمناسبة، ولا أمدحنا أبدًا


لم أتخيل يومًا أن تكون كل هذه القيود والمستقبل الأسود ضمن لعبة، أمس تناول عدد من المغردين قضية الطائرة المخطوفة، لعبة لعبة ... في الحرب وفي كل حرب أو اجتياح كنت أتخيل أن كل شخص حياته مهددة أو يفقدها الآن لديه حلم ومشاريع وأشخاص يحبونه وأخر يكرهونه، خلال الانتفاضة استشهد كثير من أهل الحارة، لاحظت أن الصامتون الهادئون أول من يسقطون في المواجهات، والغاضبون كذلك وأي شخص مظلوم معهم أيضًا، لكن مع الوقت تصبح الأمور عشوائية أكثر، الأطفال الذين كانوا يموتون من رشاشات الدبابة أغلبهم كانوا مجهولين بالنسبة لي "ماعدا واحدة"، تلك العقدة الغريبة التي تجعلك تتجنب أشخاص لأنهم لا يروقونك ثم تندم لاحقًا عندما تكتشف أشياء جميلة فيهم تستحق المعرفة المسبقة، قبل عدة سنوات كنت أجاهد للتخلص من عاديّة الأشياء، وما زالت الأمور على هذي الشاكلة تحصل لأنها هكذا، وربما كنت أعرف مسبقًا أنني لن أستطيع التبرير لأني خلعت العباءة بصعوبة بالغة، صعب إنكار ضعفي في التبرير


الحالة العامة تتغير بسرعة ونتكيف بسرعة، مجتمع الأنفاق هذا أصبح شيئًا روتينيًا، أخبار التهريب وأموره عادية، حارتنا الجديدة مزعجة لأبعد الحدود ولا أطيقها، هناك أمور متوقع حصولها في المناطق الحساسة لكن أبدًا ليس إلى هذا الحد، في بداية سكنانا بينما أمشي من أمام كراج لتصليح السيارات ابتسم العامل بشكل خبيث ونادى باسمي مثلًا، وشخص آخر يرتدي بيجاما بنية مقرفة جدًا وبالية لا تعرف إن كان هذا لونها أو أنها متسخة، ينظر بوقاحة إلى الجميع خاصة الفتيات والنساء ولمبرره كل المنطق بالطبق، وهناك آخران واحد يرتدي تيشيرت بالي لديه عيون جوفاء تكاد ترى من خلالها تجويف الجمجمة الفارغ، ويحيرك جدًا إن كان هذا المليونير يستطيع استخدام ذكاءه إن وجد بهذي الملامح البلهاء أو غالبًا هو متنكر وهو بارع جدًا بالتنكر بالمناسبة، الذي بعده ملفت جدًا يرتدي جاكيت رسمي بلون "كاكي" قديمة جدًا وشبه مهترئة، يتحدث بصوت مرتف كل الوقت عن الله اللذي يحبنا كلنا، ثم نسمع صوته يضرب أنثى ما بالداخل، يأتي إليه شبان يائسون يقولون "وين الله تبعكو؟ ليش ما يشغلني؟" يخشى عليه الأول من الدخول في الكفر ويحذره ويطلب منه المزيد من الصبر، لديه فكرة وأحترمه لأن لديه فكرة، لكن فكرته قذرة للشخص الطوباوي فيّ، هو يؤمن بأن العمل هو العمل بغض النظر عن نوعه، يعني أيًا كانت المادة التي تدخل من نفقك، لا يهم المهم أنك تشغله وتساعد، لست سوى وسيط، أتخيل بهذا الصدد لو ينفجر مفاعل ديمونا مريحًا إيانا جميعًا

كلهم مشتركون بالجريمة، في أحلامي البوليسية رأيت الكثير من الإثارة والمؤامرات، أما الواقع لطيف ومنطقي وإنساني لكن تغلبه الإشكاليات


الأحد، 10 سبتمبر 2017

ثمانية أو سبعة



هذي المرة قررت الجلوس مع فتاة تشبهني تمامًا، حتى لم أعدل ملابسها، إلا أنها باردة جدًا، مجرد مستمعة ولا أذكر أني رأيتها ترمش عيناها أثناء الحديث المستفيض، وحدنا في هذا الفراغ، ظلام من كل الجهات ونحن.
سيارات بعيدة تحدث ضجة، وصوت بصاق عميق مقرف، يبدو من رجل خمسيني يسير بالأسفل، أتمنى يومًا أن يفرض قانون لمنع البصاق في الأماكن العامة، أشعر بقرف يهزني من الأعماق عند رؤية هذي المشاهد، الأفظع أن يكون تعبيرًا عن الاستنكار، خصوصًا إذا مرت فتاة متبرجة أو متعطرة.
بدأ الأمر عندما سرنا سويًا لمحل الحلوى، لم يبدأ في الحقيقة، ولكن اكتشفت الأمر فقط، كنت اعتبره طقسًا طبيعيًا عاديًا، وأمر ينبغي أن يفعله الجميع، واحد زائد واحد يساوي اثنان، الواحد الأول يمكن أن يكون أحمر والثاني أزرق وإثنان أرجواني، نعم هذا ما أقصده، هذا ملخص كل الثرثرة التي سأتسبب بها بالأسفل.
أتصور أن المورفين أحد أسباب سعادتي في هذه الدنيا، أغلب الوقت أشعر براحة عدمية لطيفة، أستطيع تجاهل كل الأشياء، أهرب من الحلول الجذرية في أكثر الأوقات، لا أجدها ذات جدوى بالمرة، ما الفائدة من إنفاق الكثير وأنت ستموت في أي لحظة، عجبي من شخص أنفق الآلاف على إصلاح أسنانه ثم مات في حادث طرق وهو خارج من عند الطبيب، أنظر إلى المسألة على أنها إسراف، كان يمكن أن يتوقف موته في أي لحظة فيستغل تلك الأموال المهدورة بشكل أفضل.
قرأت كثيرًا عن أعراض تعاطي الماريجوانا، هذا جعلني أظن أنهم يتلفون تلك المواد المضبوطة بجانب البيت، دائمًا أضحك بشكل هستيري، لدي تركيز ضعيف جدًا في كل الأمور، قد أوافقك على كل شيء وأنا لم أفهم شيء مما قلت، وقد أوافق على أمرين متناقضين، بحيث يعجبني الثاني ناسية تمامًا أن الأول مر على خاطري أصلًا، اختلفت مع صديقات مرة على اليوم، كنت مصرة أنه الإثنين وهن يقلن السبت، إحداهن كانت تجادلني بشكل منطقي والأخرى مستغربة، عدت وتأكدت من الأجندة، أو حتى حين يقال لي مرحبًا فأقول الحمدلله بخير، هذي أخشى منها جدًا وأركز بشكل كبير حتى لا أخطئ، أما في الجامعة فقد طلب مني أحد المحاضرين الأجلاء أن أحضر نظارته من السيارة ملقيًا إليّ بالمفتاح، نزلت بكل ثقة لأفاجأ بأنني لا أعرف سيارته حتى، كنت أعي تمامًا أن موقف شبيه تكرر لثلاث مرات أمام نفس المحاضرين وخشيت من ردة فعل معينة، أنا لست مجنونة والله، عقلي مشغول بأمور صعبة جدًا.
نعم أستطيع أن أضحك من أي نكتة، خصوصًا تلك التي أتلوها على نفسي، وأبكي بشدة عند المرور بمتنزه برشلونة، أراني عجوز هرمة مريضة هجرها أولادها، وفي طريق العودة عند الكراج الشرقي أرى نفسي رجل أربعيني طويل ونحيل الوجه مكفهرّ تتراكم عليه من الديون حوالي ربع مليون دولار، لذلك يمشي محنيّ طوال الوقت، كل الأمور البائسة التي أفكر بها في تلك المنطقة تجعلني أكره نفسي حين أصل البيت، لأن عند الكراج تحديداً يقابلني دائماً جارنا السابق أبو فادي، يرسل إشارات لطيفة، تحية، سلام، ابتسامة مع حوار قصير، ولا أنتبه لكونه هو جارنا ولفتته اللطيفة إلا بعد عبور الشارع، ألتفت للوراء فأراه منشغلًا في عبوس ما، يتفقد كراسي السيارة أو ينتظر الركاب، كل مرة أفكر بالعودة ومحاولة تبرير بحجة هموم الحياة، والتفكير، الانشغال، أخبار غير سارة، لكن لا يعقل أن يحدث هذا كل مرة.
حين كنا نسير نحو محل الحلوى، كنت أغذ الخطى لكي أحرق من السعرات من سأكتسب أضعافه بعد قليل، ثمة سعادة تجعلك تسير على الغيم، صمدت مدة كافية وامتنعت عنها، الممتنعون عن السجائر ليسوا أكثر فخرًا مني، هناك نوع من الكيمياء بيني وبين أخي الذي خرج برفقتي يجعلنا لا نتحرج عن فعل أي حماقة في الشارع، حين كان يقوم بتمثيل حركات وأصوات وجدنا ولدًا يقلده بجانبنا، لا أدري إن كانت صدفة، في طريقنا سمعنا صوت أذان العصر والمحل يفتح العصر يعني سنكون أول الزوار، وصلنا والكنافة غر جاهزة بعد، دعانا الشيخ للانتظار في الداخل، التقطنا الصور وتفاجأت لوحدي بجاهزية المكان لاستقبال عدد جيد من الزوار، مع التكييف والتهوية، لاينقصه شيء.
أكثر الأمور طرافة هي أن الشيخ المضياف أحضر الكنافة في الساعه 4:49م وحين عاد ليثبت جالون الماء في الثلاجة القريبة، كانت الساعة 4:51م وكانت الطاولة نظيفة تمامًا حتى الطبق في سلة النفايات.
في البداية استغرب أخي، لماذا؟ لأنك سترى أشخاص مختلفين عمّن رأيتهم وأنت قادم، لم يقتنع وأنا ألقيت بهذا التبرير بشكل عشوائي أصلًا، حين مشينا أصر أن نعود من طريق آخر، لماذا؟ لأننا سنرى أشخاص مختلفين، واستمر في التحديق في وجوه المارة في الطريق المختلف ويعد كم وجهًا مختلفًا رأى اليوم، أعجبته الفكرة ومن عينيه كان واضحًا أنه يقلبها في رأسه.
حين جلست مع تلك الفتاة سألتها، لماذا لا أطيق تكرار أي شيء؟ استمرت بالتحديق البارد عديم المعنى، تحضني على الكلام، وهنا أنهيه.

الأربعاء، 6 سبتمبر 2017

مشكلتي مع المقبرة


مشكلتي مع المقبرة
تسكن المقبرة رفات كثير من الأحبة، مثلًا تتجاور قبور جدتي خالي وجدي، في أول مرة زيارة لها ورفات خالي فيها، قررت الامتناع عن تلاوة دعاء المقبرة وتلاوة قصيدة للسهروردي بدلا منه، تدعى ابدا تحن إليكم الأرواح، انتابتني نوبة بكاء مريعة، ولحسن الحظ ذهبت عندما فرغ المكان من الأقارب.
لم أعتد حضور حفلات الزفاف ولا بيوت العزاء، عندما توفيت جدتي حزنت بشكل فظيع ولكن أجبرت على حضور بيت العزاء، وتم القبض عليّ في نوبة بكاء اختبئت بعدها في المطبخ، وحين توفي خالي بقيت في البيت لوحدي، سمعت أغانٍ أحبها، نمت وصحوت، طهوت وجبة طعام تكفي عشرين شخصًا ولم يأكل أحد منها، تخيلته أمامي وشتمته، بأي حق يموت؟ لا أظن أنّي كنت جادة وقتها لأنني بعد ثلاث سنوات فهمت ما يعني أن لا يوجد خالي صديقي بعد اليوم، ولا داعي للحديث عن لحظة اكتشاف الحقيقة.
لديّ اخوال أكبر وأصغر منه، لكنه كان صديقي، دائما كنا نتشاجر ونتصالح، أول شجار يعيه عقلي عندما كنت بعمر الخامسة، كان يهوى قرص خدودي هو طالب الإعدادية، بكيت وصرخت بصوتٍ عالٍ، أسرعت إليّ جدتي، شعرت بسعادة بالغة بينما دموعي تنهمر لأنني أجدت التمثيلية وسيعاقب الآن، لحقه جدي على الفور بالعصاة ورضيت مع محاولات جدتي. لقد تعلم قيادة السيارة في سن مبكرة، وباكرًا التحق في المقاومة، كان يغيب كثيرا عن البيت، الحقيقة انه كان المثل الأعلى لكل الصغار ليس لي فقط، كان مقرب من الكل بدرجة تشعرني بالغيرة، الضيوف والمقيمين في البيت اختاروه موضوعا لحديثهم الذي لا ينقطع، أخباره شحيحة وكل معلومة بسيطة يمكن أن ينسجوا منها قصصًا، مع أننا كنا نتواصل ونتحدث في شؤون الحياة والمبادئ التي نكذب على أنفسنا لنبرر تخطيها، عبر الهوتميل بدايةً ووسائل المحادثة، في أول حرب كان يظهر لدقائق يطمئن علينا بعد نزوحنا إلى بيت جدي، كان يأتي فترة الفجر يسلم على خال آخر يقيم في البيت ثم يختفي. أذكر أنني كنت أنام بعد التلصص على زياراته القصيرة، وهذا ما كلفني الحصول علي أسوأ الفراش وأصلبه.
في الغربة زادت حساسيته، ووجدت التواصل الإفتراضي مجزوء جدًا، المحادثات المكررة وخلاف بسيط جعلني لا أبادر للصلح حتى، بقي هذا الحال لمدة إلى أن وصلنا الحرب الأخيرة.
من الواضح انه كان يحترق ويتعذب هناك، اشتقنا له بيننا فعلًا لكن كنت سعيدة لأننا لن نخاف عليه هذي المرة، وكان من الواضح بعد الحرب أنه يحاول التواصل من جديد، انشغلت في محاضرات متعلقة بالفلك وقررت أن بعد الغد سيكون يوم تواصلي معه، سيكون يوماً سعيداً.
منذ بداية اليوم كان رتيبًا بشكل خانق، كنت أنتظر عودة الكهرباء عصرًا، ثم بدأت الاخبار تهل، أنباء عن إصابة، ليست إصابة لقد فارق الحياة، لا لم يفارق الحياة اليوم بل منذ يومين...!
في المقبرة بكيت كثيراً، ووصلت القبر يا للحظ، وأين هم؟ لا أحد هنا، لا أحد. هل هم بالأعلى؟ أين رائحة جدتي التي تشبه السكر والقمح واللبن الطازج مجتمعات؟ وخالي؟ لا أثر لخفة الظل تلك، المكان بارد جداً، دائماً كان يغضب من السخرية عليه عند نطق حرف الراء، لديه قاموس كامل لكلمات بدون حرف الراء، شتمته مرة أخرى، فلم يصفعني ويضحك ثم يختفي، ساكت جدًا، وهذا جدي الذي لحقه سريعا حزينًا، غير غاضب من حركات الولدنة، أين أنتم يا أوغاد ؟ اشتقت لكم والله، وسأحسن التصرف هذي المرة.
خرجت بقناعة تامة، أن المقبرة لبقايا ليست ذات قيمة، لأني أعرفهم بقلبي. جدتي مثلًا كنت أشعر بوجودها وأستطيع تخمين إذا كانت تحلب الأبقار أو في بيتها تجدل شعرها، تحسست القبر من كل الجهات، لا شيئ مطلقاً، قلبي لم يهتز قيد أنملة، إذن هم جميعاً في مكان آخر، وليس لي إلا ان أحترم القبر بكل الأحوال.
عصرت ذاكرتي لأعرف أين ذهبوا، أستريد ليندجرين تقول إنهم يذهبون إلى نانجيالا يعيشون بسعادة فوق، في وادي الكرز أو وادي الوردة البرية، وتنغل قتله جوناثان والأبطال، غالباً خالي كان معهم في المعركة الأخيرة، جدتي هي ملكة الحمائم ليست صوفيا، والعجوز ماثيوس هو جدي، إليكم الدليل، بعد وفاة جدتي مباشرة جاءت حمامة بيضاء اقامت فوق باب غرفتها وبنت عشًا أيضًا، ما تفسيركم؟ كل عجائز المخيم قلن أنها روحها حضرت لتطمئن وتبقى معنا.
ثم جمعت قطعة من كل منهم، شال جدتي، قداحة خالي، وكوفية جدي، لابد أنها تحمل شيئاً منهم، ثم نحن لطالما تصافحنا وتحدثنا أكيد شيئ منهم هنا.


ملاحظة: أتجاهل تماما احتمال كون الحمائم التي كانت تربيها في الحوش افتقدت من يطعمها وجاءت تبحث عنها.

الجمعة، 1 سبتمبر 2017

دردشة

محررة يوم السبت 27 فبراير 2016


لدي أصدقاء من أغلب الجنسيات تقريباً، اعتدت على ارتياد موقع إلكتروني منذ عدة سنوات، كثيرة هي المحادثات العفوية والطارئة التي ما إن تنتهي حتى تنسي محدثك وماقيل، كنت مضحكة جداً في البداية، ربما كنت الوحيدة التي تسأل عن الدين وتلك الأسئلة الساذجة، غالباً هذا طبيعي جداً، هذا مانتحدث بشأنه، هذي طريقتنا في التعارف.
أنت تنتقل بلمح البصر بين المجرات، أحضر لي دليلاً واحدة يثبت العكس! هذي الحياة كذبة بتفاصيلها والمجمل، وأنت لاتفرق شيئاً عن حشرة التنين التي تحتضر أوالفأر الذي قتلته المصيدة، أجسادنا هشة أكثر من الرماد.
لايوجد أي منطق لامتلاكنا وعي وآمال وأحلام واهداف لامحدودة، مع جسد سريع التلف لن يحتمل ساعة عمل إضافية، وستشعر بلحمك يتفتت إن أكلت خطأً قطعة جبن مالحة، كيف يتيبس جسمك دون أن تشعر حين تبقى واقفاً لساعات تفعل ماتحب، لماذا لانملك جسداً أكثر فعالية، على الأقل يوافق طموح أرواحنا.
المناسبات الاجتماعية مثيرة للتقزز، نحن نزيد بها عزلتنا، لن تحتاج لتشعر بالفرحة بارتباطك أن تجمع الناس، أنت تهرب إلى الناس من نفسك، من الكذبة التي كذبت، ليكذب الناس عليك لتصدق على الأقل كذبتك أو ترتاح لأجلها، فكرة الخطأ الجماعي مريحة جداً.
تخيفني حالياً فكرة التشابه، نحن نشبه فئران هامستر كثيرة في مختبر واحد، نفس الطعام، نفس الظروف، نفس المعاملة والأهداف، ردود أفعالنا قد تختلف قليلاً، لكن نبقى متشابهين سلوكياً بنسبة 99% فيما عدا التشابه الجيني، تخيفني كمية الانفتاح التي وصلت إليها، بابلو يعيش سعيداً منعزلاً في دير ويستخدم الإنترنت لينشر الإنجيل، الكتاب المقدس دون تفسير أو أي شيء، بابلو شخص لطيف، يحب أن يبادر بالاطمئنان من فترة لأخرى، يعدني بانه سيطلب من السيد المسيح أن يتابع خطواتي ويبعد الشرور، إيزي أحبه جداً لم أجد سبباً للطفه في البداية، إيزي من جزر المالديف عاش لمدة طويلة في المملكة المتحدة، وصلها صغيراً كمهاجر غير شرعي، أكمل دراسته فيها وحقق شعبية بين الأوربيين، عرفت أن كل مساعدته ودروسه ومحاضراته لم تكن إلا لأني أشبه أخته الصغيرة التي حرم منها، لم آخذ كلامه بأنه يغير ديانته كل شهر على محمل الجد، لكن أثبت هو، وعرفت أن اسمه كان محمداً قبل الإلحاد والهروب من البيت بسبب ضربه ليذهب للصلاة، إيزي عاش يتيماً تقريباً لكن لايجرؤ أن يتبجح بقصته، يعيش مع أصدقاءه الأوربيين متنقلين بين الجزر خصوصاً في الصيف، ويخصص الخميس للبار، يكثر من الشرب وباقي الأيام لاشيء تماماً، حتى اللحظة أسأل نفسي: ماذا كان يمكن أن أفعل دون المواساة حين خانته صديقته؟ لم أجرؤ على القول بانه يمكن أن يبدأ من جديد ويبحث عن صديقة جديدة، ثلاث سنوات مرت ومازال هو يتعذب، لاسيما أنها تزوجت صديقه الذي وجد عملاً فور إفلاس الشركة التي يعمل بها الثلاثة.
الحياة تسير على نحو معقد في أماكن، وبسيط في أخر، تريستان استئذن المجموعة ليذهب رحلة إلى ماليزيا، كان مستاءً جداً حين منعت حفلات عيدالميلاد، وإيزي ببساطة تجاهل الموضوع، كنت أصغر الموجودين، تريستان لايحب اسمه لأنه يشبه اسم فتاة مدللة، تزوج سريعاً من فتاة ماليزية لقيها صدفة، أتذكر يوم تناقشنا عن نعوم تشومسكي، قرأ تقريباً كل شيء لهذا المفكر، أثار حنقي حين كان يشكو كثيراً من ضغوط العمل واستغلال مديره، ثم فاجئني بتعلمه قيادة الطائرة، والأدهى صوره وهو يحلق فوق سهول وصحارى أستراليا، مرة كان يشكو من فاتورة عيد الميلاد حوالي 700$ من أجل الشجرة والهدايا فقط! لكن يغفر له محادثته مع جندي أمريكي سابق خدم في العراق، الجندي محطم تماماً لأنه فقد كلبه في بغداد ولهذا السبب فقط يكره العرب والشرق الأوسط، ولاأنسى حين كان يحصل على نسخة من كتابي الجامعي حين بدأت بدراسة اللغة الإنجليزية وكان يرسل مقاطع بصوته لكي اتعلم اللهجة مع أنه ورطني باللهجة الأسترالية، ولا أحد منهم معتاد على المصارحة! بدا لي أنني أحرجته حين أخبرته أنه شخص جيد.
الأقرب كان دائماً وأبداً إيزي، مرة كانت صديقة كبيرة في السن من إحدى ضواحي لندن تخبرنا برغبتها بالخروج عارية، لكن متخوفة من بعض الإشكالات في الحي، فنصحها إيزي بأن تشغل الكاميرا وتسير أمام أصدقاءها وتحقق رغبتها، لكن بشرط أن تغمض عينيها بيسان أو تغادر لربع ساعة فقط، اعتدت على اتباع نصائحه حرفياً لأنه بشكل مايعرف ما أكون ومن أين وماذا يعني "من أين" ومترتباتها، كما كان يسير معي بالتدريج في أمور كثيرة.
أزمة كبيرة حصلت حين تعرفنا إلى آدم، بنفس عمري لكن أكبره بشهرين فقط، آدم هنغاري والده متوفى وأمه متزوجة أمريكي ويعيش في المكسيك، المشكلة حين علمت أن هذا الصبي لديه مربين خاصين به، لديهم بروتوكول معين يسيرون عليه، وقال أنه حين يبلغ العام الثامن عشر سيحصل على شيء ما كفرد من العائلة الحاكمة!! إن تاريخ العائلات النبيلة الأوروبية خاصةً في القرون الوسطى أحفظه، وهذا يسير عليه، لكن الواقع مختلف تماماً هؤلاء يصنعون روبوتات غريبة، الأمر أشبه بصدمة، حين عرفت بعض التفاصيل فضّلت أن أتجنب آدم كي لاأخسر مزيداً من الأفكار التي أعتمد عليها.
يوجد هناك بشر من كل الأنواع والأجناس والأديان، شخص آخر بمثل سني لايحضرني اسمه، تشاجر معي "متوقع مسبقاً" بأحقيتهم بالوطن الجديد أو أحقيتنا نحن، كل منا حاول الإثبات، ودخلنا في معركة طويلة للإثبات، حوار طويل طويل أندم عليه حتى اللحظة، لأنه عقيم فقط، ولأن كلينا أحمق، المجنون قال لي: إن مللت من المخيمات يمكنك العودة لبيتك ببساطة تحت حكم الدولة الحالية، لاشيء منطقي البتة بالصراع القائم، هل تبدوا القضية معقدة لغيري؟ هل حاول أي مستوطن في العالم أن ينسب بلاداً له تاريخياً؟

السبت، 29 يوليو 2017

حفلة شواء


لم أكتب منذ مدة طويلة هنا، يفترض أن يكون العقرب والقوس في السماء الآن أيضًا، تخطت الساعة منتصف الليل منذ نصف ساعة، نصف وساعة تتكرر مرتين هااا! أريد أن أتحدث عن الأمس يعني قبل إثنن وثلاثين دقيقة.
تغيرت لم أعد أتحدث بتلك الطريقة الحالمة، لكن الضياع في السماء والأشياء والتفاصيل نفسه، لم أتغير كثيرًا، سرت في طرق كثيرة اليوم ولم أكن في وعيي لثانية واحدة، كنت طوال اليوم أخطب في ناس لا أستطيع تحديد أغلب وجوههم، صدفة كنت في مؤخرة القاعة واستدعاني الشخص على المنصة، أقحمني في لعبة وهي أن أجيب على خمسة أسئلة، كلها أفخاخ كانت، أسئلة تكاد تكون شخصية وهذا يجرح شعوري، أجبت بحنكة كما أعتقد، وكما توقعت أو ربما رغبت الكلام جرّ بعضه، وجدتني في النهاية أثرثر عن قصص طريفة أو غريبة أو مؤثرة، ثم قررت أن أخطب بهم مع دحرجة الحوار طبعًا، تحدثت عن الأبراج الصفات وإن كانت ملتصقة بأي برج، وما هو الأساس الذي يحكم هذا الحكم أو الصفة، تأكدت تمامًا من متابعة البعض لي حتى كيف تدور الأفكار في رأسهم، كيف؟ هو إحساسي الخارق.
الأنانية، الجنون، الإيثار، الصدق، المغالاة، الظهور، الأهداف، تفاصيل كثيرة تنطوي تحت كل صفة، قلت في النهاية بدون مناسبة أننا لو شكلنا عصابة لتكون مثالية ستتكون من الحمل والجوزاء والدلو والعقرب والجدي، حيث يقوم العقرب بالتفكير في أكبر وجبة يمكن الحصول عليها والجدي يخطط لأسهل الطرق وأكثرها أمانًا، الدلو يبحث الطرق المبتكرة والمجنونة أما الجوزاء سيجد الطرق المختصرة نحو الهدف، والحمل لأنه حلقة الوصل بين الجميع سيكون زعيم العصابة، لا لست أميل للحمل، الجوزاء والعقرب أعداء حقيقيين فإن كان أحدهما في الطليعة اعترض الآخر، أما الدلو فلن يفكر بالزعامة، والجدي سوف لن يجد الوقت للمباغتة في أعمال العصابات والتخطيط معًا لما يناسبه مثله مثل العقرب، ثم اقترحت أن نضيف أفرادًا جدد على العصابة، مثلًا القوس الذي سيكون ملك النزوات السريعة والملول مثل الدلو، والميزان الذي سيكون الوغد الأكبر، بمظهره الديبلوماسي الرشيق المتحدث الطيب سيحصل على كل ما نريده، حدثت الجموع أن في داخل كل شخص يوجد شيطان، مثلًا أبناء المريخ الحمل والعقرب من ذا الذي يوقف شيطانهما؟! حتى الأسد والقوس والجوزاء والدلو والميزان، إذن لو شبهنا كل شرير لبرج معين، من سيكون الجوكر؟ أعتقد الدلو وتارة الحمل، ديدبول غالبًا قوس، باتمان عقرب ربما، ودوريان جراي ميزان.
لا أدري أين وصلت في الخطبة الغريبة الطويلة، ذلك ما اتذكره فقط، هذا كله أهون من فكرة استنساخ التنين صاحب الرؤوس الثلاثة، كنت أداعبه أمس وكدت أن أخنقه من شدة اشتياقي، العجوز المجرم احتجزه وبقية الحيوانات في الجانب الآخر من السراديب، وبمعجزة مع "جو..." حررناهم، أمي لا تفهم أن هذه الدهشة في عيناي سببها نجاتنا من الحمم حين قفزنا عليها هاربين، أنّى لها ذلك! 
ليتها تعرف كيف تحطم قلبي حين لم أدعى لحفلة الوداع التي أقيمت في ذلك المقهى الذي يطل على البحر، أكره أن يظهر استيائي وتوتري، لكن بكيت كثيرًا، حتى صديقتي التي أتت لموعدها تركتني وذهبت للحفلة، أختم هذا الشيء بمقولة ديستويفسكي "ليأخذ الشيطان كل شيء".

الجمعة، 10 فبراير 2017

الأنتيكة التي أحب



سمعت أنهم نظفوا بيت جدي، زرته آخر مرة في مناسبة لم يبق مما كان فيه شيء، في عدوان 2008 عندما تضرر بيتنا لجأنا لهذا البيت، أول ليلة نمت في غرفة جدتي، الوسائد والأغطية نفسها، السقف المكسور جعل مياه المطر تتسرب للغرفة لكن اؤكد أنها كانت ليلة دافئة.
لا شيء، جدتي كان لديها عقد مصنوع من عملات قديمة، أثواب مطرزة كثيرة، مكحلة جميلة، وعندما تريدني أن أنام تغني ما تحفظ لموفق بهجت وذياب مشهور، "الجاعد" صوف الخروف لم تكن حساسيتي منه تمنعني من النوم عليه.
الأنتيكة هي قطع ومواد تستخدم للزينة أو الأثاث أو استخدامات أخرى، لها قيمتها العالية بسبب عمرها أوجودتها، والمأنتك هو الشخص الجميل ذو التفاصيل المبهرة، مع كثرة التردد والاهتمام بها أصبحت أستطيع التمييز بين ما أريد وما لا أريد، مثلاً:
-القطع حديثة الصنع التي تباع وتشبه القطع القديمة لايجوز أن تسمى أنتيكة، هذه بلا روح ولا ماضي الانتيكة.
-القطع ذات الجودة المرتفعة تثير الريبة، أين كانت كل هذا الوقت؟
-القطع المكسورة أو غير الكاملة هي شغفي لأن لديها سؤال وبحث ما زال قائم، ولديها قصة كبيرة تخبرها.

-القطع المهترئة والتي لن ترغب باقتنائها وحملها معك، لا ألومك فغالباً سأفعل مثلك لكن تذكر أن هذه صاحبة الذكريات الأكثر زخماً.
-يجب أن تعلم ما تحب وما تريد جيداً، فقد يحصل وتباع أو تؤخد أمام عينيك قطعة ستذوب عليها وتندم طويلاً، من يعلم إن كنت ستموت قبل الوصول إلى ما يشببها مرة أخرى، وتبكي مع الست وترثي رثاء فيروز.
-أخيراً إن كنت لاتهتم ولا تحس بأهمية الأمر، إياك أن تسيء إلى محبي جمع الأنتيكة لأنهم أغلبهم مسجلون خطر.



أحمّل "أوسلو" المسؤولية كاملة على تحويل هذا الإرث بهذي السرعة إلى أنتيكة، قبلها لم أكن لأشاهد الفتيات اللاتي يرتدين الفساتين ونادراً ما تراهنّ حافيات أو يصرفن أقل من نصف شيكل، لولاها لما أكلنا البوظة في الأكواب الرشيقة بين البدلات الأنيقة، اعتدت على تناول الحليب الطازج والمِش والجبنة مع خبز الطابون كلها كانت من إنتاج مزارع ألبان العائلة، في أوقات الملل كنت أهز "السعن" أتعب ولا تخرج الزبدة فأنتقل للجاروشة الثقيلة، بعد مدة بدأت أفكر جدياً أن المخيم مكان غير صحي ومتكدس مع أني كنت أجد الأُنس في صوت الجيران، هل كان عليهم أن يحدثوا كل هذه الجلبة؟

السبت، 10 ديسمبر 2016

من عقلك؟



من وين ابدأ؟
ليس من حق أحد أن يحكم عليك بالخيانة قبل التأكد من دوافعك وأسبابك. 
أعرف أنني أكوّن العلاقات والصداقات بصعوبة، وأخسرها بسهولة، لكن هذي أربع سنوات، ليست بالقليلة. في البداية كنت أرسم في مخيلتي أشكال كثيرة لمظهرها وشكلها، الورطة ظهرت في التطبيق، الفرق بين الخيال والواقع، قد يكذبني إن قلت أن علاقتنا الثلاثية أنا والقلم والورقة أسهل بكثير، في العلاقات مع البشر والعالم الجديد تحتاج دماغ أكثر تعقيداً ربما.

اليوم بعد أربعة سنوات لجأت لواحدة جديدة، وكالعادة أدور حول الكائن الجديد ألف مرة قبل لمسه ومن ثم التعرّف إليه وتبادل الخبرات،  فعلاً أكره أن يتم تصعيب الأمور عليّ هكذا، لماذا لايكون كل شيء مباشر وسهل مثل الرسم يعني، والتعامل مع الاحتمالات أكثر مرونة يعني.

كنت أنتظر اللحظة التي أحدد فيها هدف التدوين قبل البدء بمدونة جديدة، مدونة متخصصة ولاتهضم حق التدوينات العفوية بأي شكل من الأشكال، كلهم يذهبون للعالم الافتراضي الجديد، قرأت أن WordPress تمتلك نظام مطوّر وأفضل من جوجل، واضح أنه مطوّر لأني حتى اللحظة مازلت أحدق في الصفحة ولا أفهم مع أن الأمر يبدو بسيطاً جداً، وضاعت الفكرة التي كانت موجودة في ذهني، أردت أن أكتبها هناك كبداية، بداية خارج السرب بسيطة خفيفة لذيذة مغذية وتعطي طاقة وتحمًل على الانتظار، وطارت الفكرة التي كانت موجودة في ذهني، أردت أن أكتبها لتكون البوصلة، ليست فقط خارج الصندوق بل لاتندرج تحت أي تصنيف من الأشكال. 

آه، كيف تحكم على أحد بالخيانة ولم تعرف دوافعه، بدايتي كانت بسيطة وواضحة ومازالت مع بعض التغيير، البوصلة لدي تسير حسب تيار مبهم لاعلم لي ولكم فيه، لكن أثق فيها، أحياناً على أحدنا التحرك والأخذ بمعطيات معينة لأن النتيجة المؤكدة هكذا حسب الشيء المبهم، ولأن لسلطة ما الحق في تقرير الوجهة الجديدة وإن علمت أن نهاية الطريق حفرة  أو حفرة كبيرة.

التكنولوجيا التي تتوهنا وتدخلنا في متاهات لامنطقية مزعجة لأقصى حد، نظام ويندوز لايشبه ما كنت أتخيل أو أرغب، عندما شاهدت Castaway كان عادياً بشكل ما لأني لديّ ويلسون أيضاً، بدأت تظهر أجهزة الحاسوب في بداية الألفين عندنا ثم الحاسوب الشخصي الثقيل، خالي كان يعمل وكيلاً لوزارة أهدته السلطة وزملاءه أجهزة حديثة جداً بالنسبة لوقتنا، لم ارغب بلمسه أو فتحه حتى، صنعت من الكرتون واحد مشابه، وصنعت شرائح للوحة سطح المكتب والبرامج، لونتها وشكلتها وبرمجتها، كلها على طريقتي وكنت أمضي وقت طويل جداً عليه، كان ممتع لدرجة فضول من يراه وعدم فهمه ما عداي، اليوم هذي الأجهزة والشبكات ستفجر عقلي، وفي خضم هذي الزحمة والدوّشة تطلّ المدونة "القديمة" أقصد الحالية، أمزح "بلاش تزعل"، أنا لم أخنها مرة لكن لم أفهم العالم الفوضوي هذا ولن  أفعل لأنني لو فعلت سأهبط على الأرض ولن أرى أبعد من هذي التبويبات والبرامج والخدع الغبية.

بكل الأحوال عزيزتي إنت حرة، وشكراً لاستقبالك لي بنفس الحرارة ومتكتمة على مشاعرك وساكتة، أنا فعلاً فهمتك وحسيت فيكِ لكن سأتجاهلك طالما ما عملتِ شيء ولأني مضطرة وهذا الواقع وأبقِ أنت على العهد حتى يخف الصداع وأعود لنصفّي الأمر.

الثلاثاء، 13 سبتمبر 2016

لا أحد سيأتي





نعم يا عزيزي، ستبقي في الصحراء وحيداً تلقّط الأشياء وتبحث عن تلك المبتغاة بين الدماء، ربما هناك شيء ينتحر الآن، وأفكار انذبحت لتتجزأ وتحصص.
هنا سمعت قصة من فيلسوف صغير، أصبح دماغه أكثر من ألف قطعة، يقول أن لا صواب أصوب من هذا والشوارع التي بلا ملامح هي الوجهة الصحيحة، يقول أن القصة بدأت من أم تنقضّ على حبل أفكاره وتقطعه إرباً كلما استطال لعدة سنتمترات، يقول أن الفِكَر ممتدة مثل البحر، كلما أبحرت أعمق حصلت على الكم والجودة، لكن المسكين ما نال بلح الشام ولاعنب اليمن، أيضاً اخبرنا أن أمه تتسلل صباحاً عبر أذنه لعقله اللاواعي، لتبث كما يشاع بين النساء "الكلمات السحرية" منخفضة النبرة منتظمة التردد وتتضمن أوامر ونصائح ولايمكن أبداً إلا الطاعة بإرادة أو بدونها، يقول المسكين أنه حين اهتم بالتعاون مع دار الطباعة دسّت له حبوب منع الحمل في الشراب !!
إنه يا صديقي هائمٌ على وجهه، ما يحصل معه تدمير مسلسل حسب زعمه، وكذلك ليس ممنهج لأن أمه لاتملك الخيال، أنت تقرأ بصوتي الآن وربما تراني أجلس على الأريكة مقابلك، لكنها لن تفعل ذلك ولن تجيبك إن سألتها ماذا سيحصل لو اقتحمت قطة صغيرة حفلة الآنسات المدللات، لا نلومها نحن لكن، ألا يمكن أن تعترف بالقطعة الأدبية أو الفنية كمنتج من حالة شعورية ما يمتلكها بعض الأنواع من البشر، كيف يمكن أن تصف لها العالم المحيط أو الفراغ الفارغ من الفراغ المكتظ بالأشياء والأفكار والأشخاص والتاريخ وكل شيء يحاول مشاركتك أو سواك التجربة. المسكين كان يتعذب من الاستيقاظ باكراً برغم عدم اهتمام الأغلب في البيت باستيقاظه من عدمه أو وجوده على طاولة الطعام، يصرّ أن الفاصل بين النوم واللانوم معقد أكثر من قنبلة نووية، والانتقال بين اللاوعي والوعي وتسليم الملخصات والمحاضر والتوصيات يتطلب جهداً هائلاً، أما هو فصنع ندبة كبيرة في رأسه، حين تهزه أمه تتطاير الملفات في كل الاتجاهات ويفقد صوابه! لا يرى شيء يثور، يفقد صوابه، يدق رأسه في الحائط حتى يشعر بالإعياء، ثم يجلس في الزاوية يبكي، في الشوارع الآن حين تشتد نوبات عقله، يجلس القرفصاء مولياً وجهه للحائط ويصيح "توقفي! توقفي! أكره التمتمة وكلام الصباح، أتوسل إليك توقفي!!!" ثم يفقد وعيه، بعض المرات يدركه أحد وكثيراً لا.
أظن يا عزيزي أن الانسان صغيراً ولد بمهارات مناسبة لغزو عشرة أكوان، يحلل ويصنف، ولا يحجّم الأمور، يملك خيالاً أوسع من الغابة، ولا يحب الحرب، الانسان صغيراً يملك مفاتيح كل شيء حسب تجربتي في المدرسة، يُمارَس القمع ضدي بسبب موقفي السلبي من قولبة العقول الحديثة، برأيي الخاص أرى أن أمه تحاول صنع الانسان الذي سيتجنب العراقيل الموجودة في الحياة الوسخة، والمسكينة لاتفعل شيء سوى سلبه أنيابه وأجنحته والأظافر، نعم قد يحصل وأن تفعل عكس ما تنوي عن جهل ودون دراية، قلت له أنه الآن أصبح كبيراً بإمكانه الانتقال للصحراء مثلك، وكنت سأقترح عليك استضافته، لكن أيضاً مقتنع أن تشكيل الوعي يبدأ بسن حديث وفي الشباب وكذلك صناعة الحبل الخاص بالصيد أو التسلق، وكل هذا سيشيخ معك لاحقاً، وما ضاع لن يكون بالإمكان ادراكه، هذا مرعب! أمر هذا البائس يزعجني، برأيك ما الحل؟
أتمنى أن لا أكون أثقلت بظلّي عليك هذي المرة، صدفة فطنت إلى أنني الآن من يسكن الصحراء لاأنت، يوجد هنا شح في كل شيء إلا الشحوم والمشارب، عقلي مصاب بالجدب وقلبي، توقّع زيارة قريبة منّي، وأتمنى أن أملك الشجاعة وأترك هذي المدرسة وإن كان ترك الأطفال سيكون ذنبي الذي لا يغتفر.

مع الهدوء صديقك.

الأحد، 14 أغسطس 2016

الاكتئاب والملل والاستغلال


الفرق بين الغرق والاكتئاب والحزن والمرض
في البداية زمان، بينما "هكتور" يشعر بالخطر على طروادة، أغلقت الباب  فتاة طروادية على صديقتها ونفسها، قد يستغرب الشخص يعني، بلد على وجه مجزرة وتركيز على حديث بلا قيمة لفتيات! الإنسان ونفسه واغواره سر بناء المملكة، تقول التي امسكت مقبض الباب قبل قليل أنها خلاص توصلت للسر للحصول على المبتغى حتى طريقة التربع في قلوب الناس! يا ساتر ماذا يمكن أن تكون?! تقول الأخيرة أن السر يكمن في "الحزن"!
طبعا ما زالت وسائل الإعلام تبتز مشاعرنا بتقارير ملفقة أو مدعمة بحقائق مجزوءة أو معلومات مضللة أو غيره، يمكن حتى "أخيل" انتهى بهذي الطريقة اعتقد، لنعود للداخل حديث الفتيات مشوّق أكثر.
في ظل قنديل يصعد أصانصير من عيون الفتاة الثانية حتى رأس أميرة الأحزان وينزل، مع شلل جزئي في باقي عضلات جسم المستمعة، واضح أن عقلها تلقى صدمة أو ما شابه.
مؤخراً أظهرت أبحاث أن الاكتئاب مرض العصر الحديث، وبطبيعة الحال هو مرض عضوي ناتج عن عدم اتزان في كيمياء المخ، يعني سيرتبط عاجلاً أو أجلاً بعارض عضوي في مكان آخر غير الدماغ، كنت ومازلت اعتقد بدون دليل علمي أن الانفلونزا مثلا تأتي على رائحة  الاكتئاب، وهذا ما يحصل معي عند تلقي خبر محزن يبدأ الرشح فأسمع موسيقى لطيفة ومبهجة مع تناول كمية يسيرة من الحلوى فتختفي الفايروسات! غريب قليلاً لكن يحدث بالفعل.
يقال أيضا على لسان باحثين أن الإرهاق يعد من مسببات الاكتئاب، وهنا نضيف الملل لقائمة المقارنات أو للبحث عن الرابط العجيب، لنتحدث من منطق غزيّ الآن بعيدا عن طروادة، يعيش المواطنون حياة مقرونة بالمنع تجاه حقوق عديدة، وحاجات لا تتوفر ، يستغرب البعض اكتئاب مواطن سافر سابقاً ومضطر للعيش في غزة مثله مثل غيره، طبيعي أن يتعرض صاحب هذي التجربة لاحتمال الاكتئاب أكثر من غيره، العمل والدراسة وكل ما هو مرتبط بالحياة المادية التي تنعكس في أشياء كثيرة ، خريج أو عامل أو موظف، أو حتى طالب يواجه الامتحانات التي تعد مسبب منطقي للاكتئاب بكل الاحوال، يعني لا أفق مع استنزاف قدرات نفسية وعقلية وجسدية ومادية من أجل نجاح في الحياة بنسبة خمسين بالمئة للجيد وأقل بكثير للعادي، الآن مع كل الاحتمالات السابقة يوجد احتمال التأثير مثل خاصية الحمل الحراري في بعض العناصر الطبيعية، وأخيراً العوامل الوراثية، نحن نملك نسخاً من جينات أهلنا واهلهم وأهل أهلهم، اختلال واحد في النص المكتوب في شريط الحمض النووي والذي يدل على خلل في كمية أو توزيع هرمون معين يعني باختصار سنحصل على سلالة كئيبة.
صنف الشعراء الحزن قديما من أكثر الأشياء فتكاً بالقلوب، ولا سيما عاطفياً، وهي عاطفة كالحب وغيره في حالة الصدق، للحزن بواعث ودوافع كثيرة وتصنف إن ادرجناها مع التراجيديا أو المأساة إلى حالة عاطفية نبيلة حسب الإغريق، أتفق مع الإغريق ولهذا منطقياً أجرم استغلال هذي العاطفة تماماً كاستغلال الأطفال بالعمالة الصغيرة أو انتهاك الحقوق أو النفس أو الجسد للصغار وغيرهم، لأن العبث بالفطرة السليمة والتلاعب فيها لا يقل خطورة عن ارتكاب اي جريمة أخرى.
اليوم نحن نعيش في عصر التوحد، حتى وسائل التواصل الإجتماعي لا تعطيك حقك وانفتاحك المطلوب، هي إما تزيد عزلتك أو تنتهك حياتك بشكل فظيع، الإنسان أصبح مستهدفا وقابل للتطويع والتشكيل مع ما يسمى الحداثة، وهذا باعتقادي سببٌ كافٍ للاكتئاب أو الانتحار أو الاثنين معاً، لكن الميزة الموجودة رغم كل المعيقات هي النظام الذاتي الذي يملكه كل منّا، يمكن مثل طروادة أن نرفع الحصون ونمنع الدخول للحامية متى اردنا بشكل طبيعي، يمكن أن نفعّل التحكم والرقابة على عمليات التبادل التجاري والديبلوماسي، وفي الداخل بكل هدوء يمكن أن نعيد ترتيب المكان وفقاً للمستجدات والأولويات والحاجات، يعني عادي يمكنك أن ترسل بطلب المهرج ليسري عنك وعن الحاشية، أما لو لم تفعل وفي حضرة رسول المملكة المجاورة فأنت بلا مؤاخذة تستعرض، على الشبكة العنكبوتية مواقع مخصصة لمعالجة هذا النوع من المشاكل، تجدها تقارن بين الدور الذاتي والخارجي لحل المشكلة، حوالي 90% من المسؤولية والقدرة على المساعدة تكون ذاتية، والبقية للمواقف الحرجة كأن يطلب المكتئب من شريكه أن يساعده بالحديث أو التسرية أو منعه من الإنتحار في حالة المحاولة. (تجنبت ذكر العقارات المستخدمة للعلاج لأنها تستخدم للمراحل المتقدمة ولا داعي لذكرها)
يعد من السخرية أحياناً أن ننظر لمشاكلنا ونعاينها بالشكل البدائي، بينما النفس الإنسانية في هكذا عصر يجب أن تخرج من القارورة الاجتماعية والنفسية وغيرها لتنظر لمقارنات وأنظمة ممكن تواجدها في الكون ومحاكاتها لتطوير حياة البشر والتقدم بسرعة الضوء، الواضح أن الإنسان على وعيه الحالي لا يستطيع أن ينتزع الإنسان الأول منه، او يضمن فعالية الوعي البشري الجمعي مغلقاً الباب على المرحلة السابقة، ولهذا يراوح مكانه منذ ألفيات ليست قليلة.


 ** مرفق أغاني حزينة للحزينين والمكتئبين من باب المواساة ♥


الجمعة، 13 مايو 2016

كريسماس منتصف السنة




أفكر بنجمة المسيح ودورها في إحلال السلام في العالم، شرقاً تتسلق نجمة شجرة السرو التي تشبه الأرز إلى حدٍ كبير.
الصعود مدهش من الأسفل باتجاه الجنوب، فتعتلي الشجرة في مشهد مهيب يثبت أن عيد الميلاد شيئ لا بد منه، في كل ليلة تعلن قيامة جديدة، في العاشرة تصل القمة، وفي التاسعة والنصف إلا قليل تقف في موقف محرج، على حافة الوصول لا هي تحت ولا في مكانها.
الأمير الصغير محق في أن كل نجمة وكوكب كانت تتبع نظاما وتخصصا وهذا مطابق للكون، ليس مستغرباً أن تتملك الدهشة نفسك عند كل موقف مربك، رالف والدو امرسون يرجي الفضائل إلى الصورة الغضة الأولى، يبتعد العالم أميال عن تلك النقطة بكل لحظة، وستموت من الدهشة أخيراً.
أمس الأول كنت اتسائل عن الطريقة التي تحافظ فيها على هروب آمن ومريح، لكن لا مفر، والتيه كالعادة سيسأل السؤال المعتاد "ماذا الآن؟" لا أحد يفهم لماذا يسرع العالم في الدوران حولك، لا أحد يعلم إن كان يتحدث.
لا أعرف أو أتذكر الآن أي النجوم هي التي شهدت ميلاد المسيح، رغم ذلك أشهد بالدهشة المرافقة لهيبة سلام الكون المتمثل بالشجر ومصابيح السماء،الحال متكرر في المعبر لكن سعيدة من أجل الذين غادروا، كما هو الحال مع الفن الذي يفهم ولكن لن تحكيه.
أشياء كثيرة يمكن أن تبرر نسيانك وميلك للمغامرة الأولى وإن كان لا إرادياً في بعض الحالات، أو كما يسميها بيجوفيتش "دراما البحث المستمر والحيرة"، لا يهم في أي مستوى كنت أو ما زلت المهم أن روحاً تصاحبها، أحب تماثيل المايا، الرؤوس الخارجة من الأرض، يرى الفنانون أنها مجرد قناع لقوة وشغف وجمال وأشياء أخرى، صنعت نموذجاً صغيراً من الصلصال والأمر يشبه معجِزة، بمعنى الكلمة، أشياء معجَزة تنطوي على القناع، تحول دون القول بفحواها بطبيعة الحال، أن تملك نموذجاً يعني أن تملك نجمة!