الثلاثاء، 26 أبريل 2016

هذي فروعي، لنتصافح!


هذي الكائنات تعرف كل شيء، الرياح تحب مداعبة البشر ومبادلتهم أطراف الحديث، والأشجار كذلك تحب أن نكون أصدقاء. 
نحن نعيش في نظام مركب، لنتحدث عن الاجتماعي فيه، هناك نظام قائم بقوانينه وآدابه ومحظوراته نسير عليه رغماً عن أي شيء، وهذي هي الطبيعة، الغيمة متفقة تماماً مع الرياح ومعهن الأشجار، والطيور تبني علاقة جيدة مع كل الأطراف، كل شيء يتبع الطبيعة تلقائياً ضمن النظام، ومن يدري ربما تملك كل مفردة من الكائنات قرارها وشخصها ومزاجها، لذلك يوجد غيمة ممطرة ومرتفعة أو مبكرة ومتأخرة، والأمواج في علاقتها العاطفية المتوترة مع القمر تتحكم بأماكن سباحتنا، النظام الكبير محكم وجميل، لكن أهم سؤال تطرحه على نفسك كإنسان: لماذا أنا؟ ربما حسب رأيي المتشقلب نحن جئنا بدافع التسرية والتسلية، لا يوجد شيء ممتع ومشجع في نظام مثالي، لابد من تجربة مخالِفة ومغامَرة، وها نحن ذا، كل الكائنات لطيفة معنا بعكسنا، يبدو الأمر وكأننا الطفل المدلل في هذا العالم، والأطفال نرجسيون بعض الشيء. 
لا نجوم الليلة، بالرغم من الجو البديع، أحاول التعافي من صدمة أن النجوم التي أراها ليست سوى أشباح لنجوم ماتت، مع أني أعرفها لكن هذا محزن ومخيف، محزن لأنها ربما كانت تحكي مستقبلنا المتكرر ولهذا كنت أراها وطناً، مخيف لأنها لم تستطع الصمود ولن تفعل حفيداتها وهذا حالنا طبعاً، مطمئن لأنها أشباح وفكرة وجود الأشباح مريحة وتخفف الوحشة كثيراً، أشباح يعني قد تكون إحدى هذي النجوم الميتة انفجرت مع مجموعة كواكب فيها حياة ما تشبهنا، وفيها صديق يشبهني ويبحث عني عبر نافذة أو سطح منزل أو تلسكوب، لا بأس الشبح يكفي، وهذا يعني عدد لا نهائي من الأصدقاء. 
الرياح لعوبة، مع موجة الشجن زادت برودة وصفير، تشبه القطط. هذا اليوم كدنا نتبخر من الحرارة والآن الغيمة الكبيرة ارسلت بضع قطرات، ملاطفة ربما. 
في الليل تكاد لا تسمع صوتاً بشرياً إلا صوت الأطفال، بكاء أو ضحك، جميل لكن لو فعل مثلهم كل الكبار لأصبح نهاراً ثانياً مزعجاً، فدعونا نكتفي بالصغار والكلاب والقطط والرياح وبعض السيارات. 
يوجد يرقات للعث في أشجار السرو بين الفروع، حياتها مملة ومسالمة وهي حشرات اجتماعية وتحب الضوء، مرة ازعجتها ونقلتها للبيت، ومع هذا حين تحولت لعثة كاملة عادت إلينا كأنها تسلّم يعني. 
لا أفهم سبب الهلع عند صغير الناقة حين تتركه أمه ليلاً، يملأ الفضاء جعيراً، الخراف والأبقار تكاد لا تسمع لها صوتاً، لا أحد سيؤذيه. 
مكعبات الإسمنت هذي شريرة، لا عزاء لمن ليس لديه كهرباء أو موقع غربي، الهواء الطلق هو الملاذ لكننا كسالى. 


القوانين تحكم كل شيء، حتى المزاج !!

" البدايات دائماً عظيمة، القلق والخوف هذين لا يمكنني التخلص منهما، كل الأشياء متشابهة، أول دوام في الروضة، أول زيارة رسمية للمركز الصحي، أول دوام في الفصل الأول، أول مسابقة، أول إذاعة، أول تكريم، أول رحلة، أول عملية جراحية، واليوم أول عمل حقيقي، أول مهمة اديرها بنفسي وأشعر بالثقة والقوة والسعادة وكأنني على المسار الصحيح فعلاً.
سعيدة وأشعر بالصلابة حين أفكر كيف تخطينا كل العقبات ووصلنا هنا! الحمدلله جداً..
يشغل فكري خمسة أطفال ولا يلهونني بل يجعلوني أكثر سعادةً.
لا أجد مزيداً من الكلام. "

 " أسوأ كابوس يمكن أن يحصل، مجرد أن أقوم بالثناء على نفسي إذا قمت بالرسم أو إنجاز عمل فني بمعايير معينة متجاهلة المعايير الإنسانية العامة، قاتل الله الطوبيا.لطالما تمثلت الأخلاق في المبادئ. فإذا كان نشاطنا غير نابع من وعينا وإرادتنا، وإذا كان علينا أن نفعل ما يملى علينا أن نفعله - كما هو الحال في الطوبيا - فإن كل مبدأ بما في ذلك الأخلاق، لا معنى له. "

" اقفزي الآن!
الحطاب ينادي الأميرة، كلنا نعرف أن القلعة مرتفعة وأن أسوار الشوك مرتفعة. هلا يخبرني أحد أين ذهبا؟ كيف تسير نفس الطريق يومياً، وتصنع صداقات مع الوجوه الموجودة هناك كل يوم، وإذا رآك أحد منهم خارج الطريق، كان الوجه مألوفا، يمكن أن تفكر في كيفية حصول هذا مليا لكن قبله عليك بأن تراجع امكاناتك وقدراتك العقلية، الذاكرة تمر بأزمة ليست هينة، قدرتك على التركيز من ثم التفكير في أي شيء عدا الفوضى. عقلي يطالبني بالانتحار، حين تلقينا خبرا لطيفاً ابتسمنا من الأعماق، لكنه حدثني قائلاً ليتك تملكين مسدسا، لا اطيق هذي الجمجمة، يبدو أنني من هواة التلاشي في الحزن أو السعادة، إلى درجة الموت، مثلاً أن تلقي نفسك من علو لترى كيف ستسقط أو كيف شعور السقوط أو لتحسب سرعة سقوطك مع معلومية كتلتك وقوة جذب الأرض وارتفاعك، أو مثلاً تضع علب الطلاء الوحيدة رهن تجربتك التي لا تعرف إلى أين ستصل، الأمثلة كثيرة واعجز عن تعدادها. التلاشي تجربة فريدة لم تكن لتحصل في دراستي الجامعية، الكل يعلم أنني لم أحب الدراسة ضمن برامج معدة سلفا ضمن خطة معدة سلفا لحياتي، الهيئة التي خلقت عليها لم تكن اختياري، لم يمنحني الله مهارة السباحة في التيار، خلقني اكره الأوامر والتعليمات، جعلني اكره معاملتنا في المدرسة أو الجامعة كمثل كائنات مسلوبة الإرادة تنتظر التعليمات، ربما كان ابتلاء ليختبرني في صبري على احتمال الوحدة والإقصاء والاتهام والعنف المبرر وغير المبرر، حين خلقت جمعت ذرات جسدي من كل الكائنات حتى كل الحيوانات، حين تضرب قطة تبكيها القطة التي في داخلي، وحين يحضر الطعام يبتهج الكلب في وينبح، حين يذهب أحد لمكان دون علمي أصبح نسرا احلق فوقهم واعرف ما يجري، أخشى أن أظلم النجوم دائماً افترض انتمائي لاحداها لكن لا يمكن الجزم. تفوح رائحة تبن وشعير الآن، حظائر الحيوانات منتشرة واتجاه الرياح مساءً معاكس للنهار، لم اسمع صوت الجمل منذ مدة، والابقار في الحظائر الشرقية غالباً مع أن أغلبها تأتي قبيل عيد الأضحى، بقيت الأغنام والخراف، لم أحب الصوف يوماً رائحته مزعجة ومثير للحساسية، استغرب كيف كنت أنام على جاعد قبل سنوات، جدتي وأقاربي عموماً اعتادوا على نزع الصوف أثناء السلخ ومن ثم ينظف جيداً ويبطن بقطعة قماش فيصبح فرشة شتوية ممتازة وأنا كنت أحملها لانام في اي بقعة على الأرض، كل بيت كان فيه ثلاث قطع من الجاعد على الأقل، ما زلت كلما نظرت للمرآة رأيت جدتي، ربما كل سلام العالم اجتمع فيها، وأنا أبحث عن قطعة واحدة منه." 
عجيب ! محطات كثيرة وعجيبة، في النهاية هل نحن حقاً مؤتمنون على أفكارنا، مشاعرنا، مبادءنا ؟ وسنحاسب عليها كما هي ؟؟

السبت، 12 مارس 2016

كيف اخترق الرصاص قدماي



حتماً تتميز كل بلاد وكل ثقافة بموسيقاها، الموسيقى الفرنسية دافئة وتضج بالحياة، لكن الإسبانية مثلاً تضج بالفرح والحماس ويخيل إليك أن العازفين يتصببون عرقاً من فرط البهجة، إلى الألوان التي ترشح حزناً، والتي تشبه حوارك مع نفسك، أو رقصة أشجار معمرة طويلة في ساحة مفتوحة، أو تلك التي تسبر أعماق الكون بحكمة ورصانة عظيمتين.
شاهدت قبيل أيام بطاقة بريدية تعود لباريس خلال عشيرينيات القرن الماضي، مصمم الصورة بلاشك كان يتوقع أن يراها أحد بعد تسعين أو مئة عام، الصورة لميدان عام في باريس ومقهى تجلس فيه فتاة بتصفيفة شعر تنتمي لتلك الفترة مع ألوان يدوية على الفستان تعود للزمن ذاته، مع رجل يرتدي بدلة رسمية، نفس ما قد تشاهده في فيلم Midnight in Paris ،خرجت بانطباع إيجابي لحد كبير من مشاهدته، ويبدو أن الإعجاب بالفيلم وصل لحد تقدير اختيار الشخصيات والدقة في محاكاة اللهجات والممثلين إلى كل التفاصيل الموجودة.
يحدث في مكان ما في اللحظة الزمنية الفارقة بين الثمانينات والتسعينات أن تجد هاتفك يرن، قبله منذ نصف ساعة كنت تضع شريط الكاسيت في جهاز تشغيل الموسيقى، في الصوت بعض الخربشة من خدوش شريط البلاستيك الذي يحمل التسجيل داخل الكاسيت، اجتماع.
الموسيقى تعد أرواحنا صباحاً لعالم جميل مسالم هادئ، لكن بمجرد خروجك من عتبة البيت، تتعرض للخيبة المعتادة مع كل شيء في الخارج، وصولاً للمدينة الصفراء.
تعلم جيداً أن الأخبار لاتسر أحداً، الجيش يقتحم كثير من الأحياء، الشهداء يتصاعدون، والشعار سكين! كل شيء يتدحرج نحو مالانعرف، أحب جيداً ما أنا عليه والتطورات على الساحة السياسية وعلى القضية ليست دافعاً لتغيير على صعيد المجتمع وقناعاته ولاسيما قسراً، أجزم أن فتيات بعد عشرين أو ثلاثين عاماً سيحملننا المسولية، لكن ترون التيار جارف و"البلطات"و الكلوركس.
لست من كوكب آخر، أدرك أن لكل شيء أثر سيمتد لاسيما أن الحال بالتأكيد سيصل لتهدئة كونية قسرياً قريباً وإحساسي لايخيب. المهم على صعيد أنشطتي التطوعية هناك مايثير امتعاضي وغضبي وحرقة قلبي، الأمور تتغير بشكل سريع، بدل أن ننهي نشاطنا بأفضل مخرج نتصرف كأننا في آخر الوقت دون حماس مع تقشف وتغييرات على عدة صعد، وأكره أن يخيب ظني جداً، 
أغضب من أشياء كثيرة، منها ملا يستحق الذكر لكن مهم بالنسبة لي، جارتي اللطيفة تغيرت أصبحت تنتقد الأغاني والموسيقى! ياالله، هذه هي الموضة الجديدة. لاأخجل من نفسي، ولا من عائلتي، ولامن وضعنا المادي لأننا مثل الأغلبية، لانخالف مبادئ ولانسرق لقمة أحد، ولانعيش على آلام أحد، ولانكذب ونجامل العالم من أجل طعامنا، والديّ يتعبان جداً، وأنا كبرت سريعاً مقارنة بحوض النعناع الذي نشأت فيه.
أشعر بالغضب لأن أحداً لم يدفعني ويوفر لي درساً مبكراً قليلاً، أو فرصة أبكر لفتح النافذة، ربما أموت في الاجتياح القادم، ربما أعلق خارج البيت خلال حظر التجوال! 
أكون سعيدة بالعمل مع الفريق، يشعرني الأمر بأنني على قيد الحياة، بعكس الجلوس في البيت وكأنك جزء من الجدران، هنالك بيئات يتطو فيها المتطوعون لأنهم اعتادوا ولأنه واجبهم، تجدهم يقدمون وقتهم وجهدهم، وهناك من يأتيهم مسافراً يحسب ألف حساب لما يبذل ووقته الثمين، هذا مايحبطني، أشعر أن جهدي يذهب سدىً، نحن نفعل بدافع ولهدف، لكن رمياتنا قصيرة عاجرة ولا تصيب إلا أطراف حلقة الهدف، نحن لانصل للشبان في الشوارع والأزقة، ولاالمصابين، كل الجهد في حدود المعقول وأنا أكاد أجن، بالكاد يخرج 10% مما أستطيع وأرغب بفعله، علاوة على هذا تلوح في الأفق إمكانية سحب الحافلة التي تأخذنا كل مرة لمكان نشاطنا!! 
المدينة كبيرة نوعاً ما، تحاول أن تواكب المدن الكبرى على استحياء، لايمكن أن أصف لكم دهشتي أول مرة رأيتها، لكن الآن ارى أمامي بلد شاحبة، أتخيل نفسي أمام سائق الحافلة الكسول الحريص على الوقود، أصارحه بكل وقاحة بأن الفريق بأكمله اتفق معه أن يوصلنا كل مرة، وأنني وإن كنت لست قريبة تماماً يجب أن أتواجد لكي أتواجد لأن من الضرورة لي قبل أي شيء أن أتواجد، ثم أخبره عن مدى التضحية التي أقدمها لكي أصل وأشارك، سيصبح قلبي جمرة لحظتها، ويصل اللهب عيناي، ثم أخرج منسحبة، يستحقون.
من المؤسف أن زميلتنا الثائرة الشقراء، ترى أن الحافلة لاتستحق كل هذه الجلبة، بل وتجعلها موضوعاً للسخرية ولاتعلم بأنها ليس مضحكة، لاأجد جدوى من مصارحتها بالحقيقة بكل الأحوال. استيقظت بعد منتصف الليل على كابوس مرعب، سمعت ابن عمي يصرخ في معتقله، حركت رأسي مع شلل تام في يديّ المنبسطات على الجانبين، يبدو أنهما كانتا مكبلتين! 
أمس وأنا خارجة أسرتني أم أحمد وهي تلحق الجنود المشاة بالحجارة، الحمقى حاولوا اقتحام البيت، يبحثون عن ابنها ويقتحمون البيت للمرة الثالثة على التوالي، برأيي هو محظوظ لأنه سيلتحق بالثوار أولاً، وسيجوب العالم ثانياً، حياتنا جحيم هنا نعيش على أخبار يومية تخلو من الفكاهة، وأتردد مع أمي إلى البريد مرة في الشهر من أجل "المعلوم" الذي يرسله والدي من الخارج، ليس لديه شهادة من المعهد لكن لايهم طالما أنه وجد عملاً هناك، وربما تنجح المساعي ويأخذنا عنده عمّا قريب.

الاثنين، 1 فبراير 2016

التطرف



أن تدفع خصمك للتطرف أسهل طريقة للتخلص منه. تكريس مفهوم التطرف لدى الرأي العام كاتهام وادعاء على الخصم، كفيل بكسب القضية لصالحك من جانب الرأي العام.
أما، كيف تصنع متطرفا؟ تأتي من وجود عدو أو جهة تهدد المصالح الاستراتيجية، قد لا يشكل خطرا هذا الخصم في الوقت الراهن، لكنه بكل الأحوال مصدر تهديد محتمل يفضل التخلص منه ، صناعة التطرف هي أول مهمة في سبيل التخلص من العدو أو الخصم، يتم حشره في الزاوية مع وجود استفزاز مستمر من طرفك تستغل فيه ثغرات موجودة في أي جدار، ما يؤدي بشكل طبيعي للتصدي من طرفه والرد على الاستفزازات المتكررة، التي قد تأخذ شكل معاكس لفعلك الاستفزازي القانوني ظاهريا، فتبدأ انت بتحييد خصمك عن العرف والمنطق على شكل مزيد من الاستفزاز والعكس صحيح، على مرأى من العامة، لحظتها سهل عليه أن يقع في فخك ويتبنى أي وجهة متطرفة في سبيل التخلص من ازعاجك وتهديدك ومضايقاتك وحتى اختلاف وجهته قد تكفي لوصفه متطرفا، لحظتها ستستغل الفرصة الذهبية وتظهر أمام الملأ حاملاً شعلة العدل والمنطق والوسطية والأهم انك ستشهر سيفك أمام من يهدد استقرار الكون والطبيعة ولن تبذل جهدا في كسب الدعم والتأييد فتسيطر وحيداً مسرورا قوياً حسن السمعة وتفعل ما تشاء أيضاً.
نماذج كثيرة حالياً تشبه هذي الحالة، مثلاً بعيد الحرب على العراق في مؤتمر صحفي جمع الرئيس الروسي والأمريكي بوش، أثنى بوش على العملية الديمقراطية التي تسير السياسة والحياة الأمريكية وطلب من روسيا والرئيس بوتن تحديداً أن يكون أكثر ديمقراطية ودعماً للحريات وحقوق الإنسان، لحظتها كمشاهد وجدت نفسي أقارن بين الرأسمالية والاشتراكية، هل يعقل أن يكون إرهابياً فعلاً؟ قاطع الروسي المذيع متعذرا ورد ضاحكاً 'أوه، هل يقصد الرئيس الأمريكي، أن نتبع ديمقراطية الولايات المتحدة كما في العراق؟' مر الموقف بسرعة ضحك الرئيس الروسي والصحافة الموجودة، وطلبوا سؤالاً جديداً. واضح أن محاولة بوش لم تفلح لكنها نجحت في أماكن أخرى ومع أشخاص آخرين، كيف استغل الإعلام بثقله العظيم هفوات القذافي وكتابه الأخضر ليصبح مختلا عقليا متجاهلين نجاحاته السياسية وإنجازاته على صعيد الجمهورية، ومتجاهلين أيضاً ما سيؤول إليه وضع البلاد حتماً. نفس الحال مع الوهابية مع اختلاف اتجاه الحربة، والطائفية في العراق، والفساد في مصر وتونس.
استغلال هذي الثغرات لذات الهدف لا يعني عدم وجودها أو عدم الحاجة للتخلص منها، قد يحمل الحديث معنى أن العرب قد يكونون خصماً محتملا وهذا بعيد، بل إن وجود هذي النماذج دليل على استخدام قوي ومتعارف لهذي التقنية ربما، وبداية التساؤل كانت من دافع اجتماعي.
مثلاً فلانة تقول لأخرى أنها تفسد الأطفال بكثرة عتابهم، وإن لم تعرف السبب، تطلب علانية أن تتركهم معللة أن الثانية تحتاج طبيبا نفسيا، تقول أن الثانية لاتقول الصراحة دائماً دون معرفة الحقيقة أو الدوافع،لا تجيد الطبخ أبداً مع أنها تأكل مما تطبخ الثانية، لا تجيد عملاً ما مع أنها سمعتها تثني على عمل الثانية لصديقتها سراً ، تجعل من كل قضية أو حادثة عارضة حالة عامة متكررة ومتعارف عليها،أو كأنها تملك عيون لا ترى إلا السلبيات، تقول الثانية ما لم تقل، وتظن فيها ما لا تفكر فيه أو تنويه أو تقصده.
طريقة تفكيرهما وفهمهما متعاكسة تماماً، إنها تسخر من ذوق الثانية في الملابس وأي شيء وتعتبر اختياراتها مرجع ومقياس، مع أن الثانية لا تعجبها شخصياً اختيارات الأولى بنفس الوقت لا تعلق أو تذم أو تمدح.
اشترت مؤخراً شيئاً، سلب عقلها بجماله وفردانيته، الفكرة مبتكرة جداً وأحبتها، والأولى لم تبق على أحد لم يعرف بعد أن الثانية اشترت شيئاً غريباً وقبيحا، لدرجة محاولة إقناعها بتبديله!!
قد يملك البعض لا مبالاة بهذا الشأن لكن أظن أن العرف يتطلب الإنزعاج، والتصدي لمحاولات صنع صورة نمطية شاذة، لا سيما أن البيئة غير مرنة ولا تملك أفق أوسع للتعاطي مع الأشياء بل وتقبلها.
يعني مثلاً أنت لست بتلك الغرابة، ولا تشارك بالجلسات الحوارية لأن محتواها لايناسبك وتراها مضيعة لوقتك، وهنا برأيي مربط الفرس، فأنت بكل الأحوال لن تبالي بالرأي العام، من مدخل الحرية الشخصية وتناغمها مع العامة. ولكن إن وصل بالفهم الخاطئ للحريات العامة أن يهدد كيانك ومصالحك لا بد أن تنزعج أو أن تفعل شيئاً.

السبت، 26 ديسمبر 2015

سنية في حسينية


لا بد من فعلها، يصادف اليوم ذكرى عاشوراء، يجعلونني موضوع نكاتهم مؤخراً. 
الحسين له صورة مبنية على روايات وصفية متواترة ، هذا يسهل المهمة كثيراً، منذ انتقلت إلى هنا أصبحت أحسب على آل بني أمية، في المجالس التي تغلب عليها الأحاديث الدينية، ترمقني فاطمة بتلك النظرة، تقول "هذا ما فعل جدك بإمامنا وحبيبنا، وابن ابنة وحبيبة خير الرسل.." ثم يضحك الجميع، حين تفكر من زاوية حاكم أو خليفة سيؤرقك التفكير بطريقة للحفاظ على وحدة الدولة وجمع تلابيبها، فما بالك لو استيقظ تمرد أو ثورة بقيادة حفيد مؤسس دولتك! لا بد من حسم وإن مات مقتولاً معروف أنه من أهل الجنة بكل الأحوال، طيب كيف اجعل اتباعه وأي مارق يفكر بتقليده؟ سأمثل بجثته، بسيطة إنه من أهل الجنة. 

حسناً، أنا لا أحب الرأسمالية لكن يبدو من الصعب أو المخيف العيش دونها، هذي القبائل كيف سيمكن الإمساك بلجامها، والحلفاء، أخشى أن حلمه شرعي لكن بعيد المنال، كلنا نعرف أن الثوار لا يحكمون، وأنهم إن حكموا قلدونا، الأمر يشبه اتخاذ موقف سياسي، والتشدق ليل نهار بمحاسن القائد أو الحزب وثم في أول معاهدة أو تصريح يتعلق بإسرائيل، تتوه البوصلة، نترنح قليلاً ونرجع خطوة للوراء ونبدأ بإطلاق مبرراتنا، كما هو الحال مع أردوغان رجل النهضة، هناك نقطة اللاعودة التي يرتبط فكرنا أو قرارنا بمصيرنا، وللأسف المركب بيغرق يا قبطان، أين القبطان؟ يبدو أن لديه زورق سريع. 

نقطة اللاعودة، إن تم الاعتراف بأحقية النظام الجديد، هناك آلاف المعترضين، والمغامرة بالدولة أقصد برأسي ليست منطقية، وهو شجاع جداً يستحق أن يخلد وأن تجعل لرأسه قصة كما سيفه وولده وذويه. 
هؤلاء الأعراب ليسوا صادقين مع أنفسهم، مبالغته في الزهد حماقة، يوجد أفكار كثيرة هنا، رايتان صغيرتات لرجلين واحد بعمامة سوداء وآخر بعمامة زرقاء وقرمزية، وقفت أمام المشهد وقلت: "دعونا ننهي الخلاف هنا."

علي الصغير خطف الراية الثانية داسها بقدميه وصفقت أمه، يغفل الكثيرين عن وجود حسين سابق في زمن الإغريق، تتلمذ على يد داعية المحافظة والخائف من نوبات السياسة التي كانت تعصف بأثينا وقتها، أتباعه زادوا بعد موته، نعرف أن أرسطو كان ابن الحياة،لا أعلم حقيقةً إن كان مفهوم الفن الإسلامي سيختلف إن كانت الغلبة للحسين عليه السلام، المهم أن كليهما الحسين وأرسطو كانا وجه الإنسانية التي تنقلب على النظام الذي يستهدف الجماعات في سبيل الأقليات. 

طريف جداً كيف أصبحت إيران حليف روسي جيد، وقد كانت حامية أمريكية في وقت ليس ببعيد، لا يغيب عن أحد أن ظاهرة العسكرة تغلب على الجمهورية، وأن راية "يا حسين" ستبقى خفاقة فوق سهول وجبال فارس مع وجود آية الله الخميني، بعكس روسيا التي تتصدر جبهة صراع إدارة أموال العالم مع أن الأمر يختلط أحياناً مع أمريكا حسب كلام المعارضة الروسية. 

هل يستغرب أحد أن يقوم عسكري أمريكي بالصعود يومياً لتلة في بغداد ينادي المهدي؟ حسنا المهدي المنتظر كان أرسطو، كان الحسين،كان غاندي، كان جيفارا، كان ياسر عرفات لو أنه...، ما علينا. 

الحجارة كربلائية هنا، بكينا سوياً حتى انتصف النهار، في قصة أصبحت تقترب من الأسطورة يجد كل شخص ذاته في أحد جوانبها، أم محمد مثلاً فقدت ابنها في الجبيل، ذهب من أجل أربع: الله، الوطن، الحسين، وأمه. يحاول رجل أن يدس أنفه بحوارنا "أربعون عاماً وأنا أبحث عن أبناء المتعة هاهاهاها...". في ذهني أحاول أن أجد طقس اتحادي مشابه، عندما كانت مكبرات الصوت تنادي لعرض مرئي جهادي أمام المسجد في ذكرى استشهاد منفذ العملية البطولية، بعد صلاة العشاء كنا نتجمع في الشارع أمام شاشة بيضاء كبيرة معلقة على عمود الإنارة، يجلس الرجال على المقاعد البلاستيكية المستأجرة، الأطفال يسدون الفراغات بين المقاعد والممرات، والنساء يضعن أطراف شالاتهن على افواههن، متكدسات أمام أبواب أقرب البيوت للمسجد وصاحبة البيت من الداخل تقدم الشاي والماء. كنا نأتي للعرض حمادة ونغادر إلى بيوتنا مشاريع شهادة. يبدأ بأناشيد جهادية وفيديو للشهداء القادة يلقون كلمات مؤثرة، بعدها مشهد مرئي تمثيلي للعملية البطولية يتبعها وصية الشهيد وصوره أثناء التدريب والكثير الكثير من الدموع والعهود والأناشيد ونغادر. 

أزمة حقيقية أن تزور حسينية ولا تلتقي بآل البيت إلا في قلبك وفي أحزانك، طيب ما العمل؟ قلبي يكاد يتحطم وأنا أنتظر أمام السرداب، مهما فعلنا لا يمكن أن يكفي، مات الطيبون وبقي واحد يتاجر بالبشر في البحر المتوسط، ذهب الزاهدون وبقي أحفاد بني أمية يشترون الحصص الكبرى في الشركات الأمريكية ويتشاجرون مع ترامب، قتل الأبرياء وسبيت النساء من العراق إلى الشام وصولاً إلى المجر وألمانيا وكندا. 

السبت، 17 أكتوبر 2015

رحلة العودة




من يدري 600$ أم 1000$ ؟ أشعر بالإنجاز! كيف فعلتها ولم أحصل على الشهادة بعد،  آخر فصل هو الأطول على الإطلاق أو ليس الأطول لأنه لا ينتهي أبداً. في أمان الآن، الأونروا مكان جيد للعمل، أكثر ما يحيرني بعد الراتب: لماذا لم يطلبوا الشهادة والسيرة الذاتية بعد؟ 
اليوم الأول كان عابراً جداً، طُلب مني تغيير البنك الذي سأتعامل معه فقط، وعدت أنتظر رسالة التأكيد من البنك أو جهة العمل. 
هل يعرف أحد ماذا تفعل جارتي في هذا المكان؟ ولماذا يقدم المدير الموظفة الجديدة للزملاء؟ طيب وماذا عنّي؟
أعترف كنت فظة جداً وهو بليد جداً، فجأة أطل من من آخر الممر وفد أجنبي، لا يوجد أحد عاقل لا يستغل الفرصة، وكأنهم يعني تفهّموا الأمر وانتقلت بي الأحداث إلى غرفة أو قبو المقابلات من جديد.
أشعر بالإهانة من سخافة أسئلتهم على كثرتها المرهقة، بشكل ما أعدت المقابلة أكثر من عشر مرات، العمر سينقضي دون العبور منها، المقابلة الأخيرة بدأت بسؤال مفتوح عن المعلقات الشعرية السبع، يستحق الأمر التحدي. قبيل السؤال الثاني تأملت المكان، قبول مظلم متعدد المداخل تبعت المدخل الذي يؤدي للأعلى، بعض الأشخاص لديهم فضول طبيعي يختبئ بين الجينات، يجعلهم يخوضون تجارب جديدة دون سبب. الإضاءة هنا مختلفة تماماً، ضوء خافت حين تتكيف معه لن تعود ترى المدخل الذي جئت منه.
أبواب كثيرة جداً، ونساء كثيرات بأحوال باهتة أو ذاهلة أو مزرية، في المداخل والأزقة نساء أيضاً متكومات على أنفسهن أو مغطيات وجوههن بأيديهن، الأسمال البالية تشبه المكان، كلام غير واضح وضجيج وأصوات عديدة.
في الداخل أكثر، مكان أشبه بزنانة خرسانية كبيرة، ظلمة نوعاً ما، كل مرة أغمض عينيّ أعيش أحداثاً بأماكن مختلفة، ربما لا أحد غيري أجرك حقيقة أن هناك أحداث غير منطقية متوالية دون تسلسل.
للأسفل فتحة بالكاد واضحة، مصابيح صغيرة ملقاة على الأرض تساعد على الرؤية، إذن لا يساعد التركيز وحده للرؤية، متأكدة أن خيالات وخوف الفتيات غير مبرر. حائط اعتراضي مكان مناسب للقفز من أعلى، يوجد الكثير منه، نحن فوق الحيطان، هل رأى أحد وطواط بحجم الكلب؟ يمكن تفاديه وتسلق السلم للأعلى نحو الضوء، نفق صغير يصعد للأعلى، المشكلة ليست بالمتاهة ولا الوطواط بل الوحش البشري ذو الأنياب القادم! 
لم يبق الكثير، الشمس ساطعة بالخارج، حسب ما شاهدت في الأفلام لا يحتمل مصاصوا الدماء الضوء لكن لا يخبئون عيونهم بأيديهم ويصرخون من التسلخات ويستمرون بالمطاردة! يستطيع أن يلحق بي على سكة القطار ويغرز أنيابه برقبتي، لكن لماذا يحمل سكيناً ؟؟
أن تجد مساعدة بلحظة حرجة أمر متوقع جداً، رجل وزوجته وابن لهما يركضون لهنا، من المريح أحياناً الاستسلام على أمل الراحة أو انتظارة النجدة،  يبدوا تأثير الطعنات مخدراً، هذي أربع سكاكين ليست واحدة.
تظهر بالسماء بشكل طبيعي وليس مستغرب شاشة فيها قائمة أسماء على شاكلة تويتر، ربما إن اخترت أحد يأتي ويساعد، أول اسم لفتاة مكتوب بالعربية واسم المستخدم مختلف تماماً!؟ إذن لا شيء حقيقي، الصوت الغامض ما زال يهمس من أعلى، يتوقع، يحذر، ينصح، ويهزأ أحياناً بمن أرى أو بعض المواقف، وأعود من جديد للمكان السابق على أمل الخروج.

الاثنين، 12 أكتوبر 2015

سؤال لأي شخص



لو افترضنا أنني أو أنت في مكان بين مخيم ومنطقة شرقية حدودية، أنت في الوسط تعيش على الطريق العام، وحصلت مجزرة في المنطقة الشرقية، كان فيها رجل في بيته، أصيب برأسه إصابة مباشرة وهو يركض باتجاه الغرب، أراد أن يصل بيت العائلة في المخيم، هو يجري الآن باتجاك أنت ليعبرك ويكمل نحو المخيم، إنه يقترب، عيونه فارغة تماماً ونافورة مفتوحة في رأسه. أريد أن أتوقف هنا لنفكر لو أردت أن أصور المشهد وأعلم أنه سيحصل سلفاً هل أبدأ بك أنت أم الرجل ! الرجل لا يفكر إلا بالوصول للمخيم سيرتاح وسيفكر بماهية السائل اللزج الذي يعمي عينيه، كل شيء مؤجل لغاية الوصول المهم أن يركض ويصل الآن. أنت في بيتك هرعت للباب على صوت القنابل والقصف والناس تجري وتجري وبصرك مركز على الرجل ذو الرأس الدامية "لماذا لا يتوقف لتلقي الإسعافات؟ إصابته خطرة المجنون لأين يذهب؟!! ليوقفه أحدهم، لماذا لا أفعل أنا، لماذا لا أساعده، لو استمر سيموت! تبدو جمجمته من الأعلى محطمة! لماذا لا أوقفه، يجب أن أوقفه، لحظة ربما غيري سيفعل أو من الأفضل ألا أفعل....."..
السؤال هنا كيف ستُرِي المشهد لغيرك؟ من أين ستنظر؟ من  أين ستبدأ؟ ألا تخشى لو بدأت بالرجل الذي يجري سترى نفسك مجرماً أحمقاً ربما أو خارج دائرة الحدث، وإن بدأنا بك لن ترى الرجل إلا جزء من المشهد، لا يهم أن تتحرك المهم كيف تتوزع القصة بعدالة؟

لنحاول أن نكمل علنا نصل لحل المرحلة الأولى لاحقاً، وصل الرجل أمام بيتك وأنت أمام القرار الحاسم! نزلت مسرعاً تجاهه سيصلك خلال ثوان، ستتلقفه بذراعيك وتضع قطعة القماش على رأسه لكي توقف النزيف، هاااه وصل تقريباً ......

الرجل رآك في طريقه ظنك ستعرقل فرصته في النجاة، تردد للحظة بأن يقف، يحتاج أن يوقف النزيف، لكن الأمور تتعقد وهو لا يرى نفسه إلا في البيت، أمه زوجته وأطفاله وباقي العائلة، سيكمل سيكمل مهما كلف الثمن وسيتخطى الكائن الغريب الذي يقف بطريقه سيتخطاك، لقد كاد أن يصلك فيتجنبك بخطوة سريعة رشيقة أثناء طيرانه، سقط شيء !! سقط منه شيء ما توقف لأجزاء قليلة من ثانية وأكمل الطريق، نفسه تحدثه بأن ينظر للخلف ولن ينظر لأنه سيصل البيت في المخيم، لا أسرع منه الآن يكمل العدو، بدا جزءاً من الخيال في الأفق وهو يركض.

لنعود لك أنت، فتحت ذراعيك عن آخرهما ستمسك بالرجل وسترجع للخلف قليلاً لكي تمتص ارتطام جسده بك، بقي متران فقط سقط الرجل وارتطمت رأسه بالأرض، تطايرت أجزاء من دماغه ونافورة الدم تسقي الشارع، لقد سرق ما في عينك، وأصبحت عيناكك فارغتان أنت أيضاً، وصل الإسعاف أيضاً من الخلف يجري المسعفون ولم يلحقوه.

حملته أنت والمسعفون، وأنت ترى بعينيه، الكون أحمر والصفائح التكتونية ترتطم بقاع الكوكب وتصعد، أنت لا تدري ما تحمل ولا لأين ولا لماذا، لا تدري بأن الرجل ما زال يركض؟!

ما أفضل طريقة لترى ما ترى، ما افضل عين وأين تقف على الشرفة المقابلة مثلاً؟ من أين بدأت الأحداث؟ ومِن مَن؟ وأين موقع الرجل من الكون الذي انهار أمام عينيك وأين انت وكيف ستأخذ الآخرين إليك؟؟؟؟

لا يوجد تخطيط قلب


أحياناً ساعة قد تختصر يوماً كاملاً، وهذا ما أظن أنه حصل اليوم، قبل ساعة من الآن اتصلت والدتي بأن أخرج معها لمشوار "مستعجل"، حين حضرت البيت تبين أنها بحاجة للذهاب للمشفى لإجراء تخطيط قلب نظراً لحصول تسارع، ذهبنا بسرعه انتظرنا في قاعة الطوارئ مع الجثة المرفقة صورتها، بدى عليها التوتر  قالت بأن بإمكانهم أن يضعو الجثة في الثلاجة أو مكان آخر بعيداً عن هنا! انتظرنا الفحوصات وجاء بعد الممرض طبيب في العشيرينات من عمره أحضر حقنة، طلب منها الكشف عن الوريد ولا بد منها لانتظام ضربات القلب! أوقفته أمي وقالت أنها لا تحتاج لها طالما أنها تتناول علاج منظم لضربات القلب، حاولت عبر عدة أسئلة معرفة نوع الحقنة فابتسم وانسحب من المكان عائداً مع طبيب أكبر منه سناً ويرتدي تي-شيرت برتقالي، حاول الاستفسار عن طبيعة العلاج الذي تتناوله والطبيب التي تتابع لديه واسبب من قدومها للمستشفى، أجابته بأنها تحتاج لتخطيط القلب لمراجعة الطبيب بعد زيارة المستشفى كالمعتاد في حال حصول طارئ على حالتها، نزع اللاصقات المتصلة بجهاز تخطيط القلب وخرج لطاولة الاستقبال، خرجنا خلفه وطلبنا التخطيط فرد قائلاً "ما في تخطيط، ما عندك أي مشكلة، ممكن طبيبك يعملك تخطيط!" انتهى.

خلال مكوثنا في غرفة الطوارئ لم نجد أي أحد قرب الجثة اصغيرة على السرير المقابل فقط الملابس الممزقة في السلة، لم يوجد تبريد، وكانت ذبابة تحاول الدخول من تحت الغطاء، ربما من البديهي انتقاء النقطة السابقة لكن ما المبرر لمعاملة طبيب لمريضة بهذا الشكل؟ ولماذا يقو بأنها سليمة تماماً طالما حاول أن يعالجها بحقنة؟! وما مكونات الحقنة؟ أليس من حق المريض المعرفة؟

كما رأينا الموت رأينا طفلة حديثة الولادة في سيارة العودة، ولكي نرجع للواقع الواقع مررنا على جلسة نسائية، قالت فتاة أن "فكّت عينها" ! وحسب التوضيح حين يظهر في عين أحد "الشحاذ" يحضر كسرة خبز من أحد الجيران "أي شخص المهم ليس من العائلة" يحرق ويتم تكحيل العين به ويختفي "الشحاذ".
ساعة واحدة كفيلة بأن نبني القلعة حول أنفسنا ووندعوا ألف مرة ألا نصاب بأي علّة أو حاجة أو سبب للخروج أو حتى الاختلاط حتى حين.