الجمعة، 6 يونيو 2014

صور مخفية


بعض المشاهد عصية على التفسير، في لحظة تمنيت لو أن لدي كاميرا ليلية.
بينما أمشي ووالدتي ليلاً، في شوارع معتمة تنتظر عودة الكهرباء، كان كل شيء يكاد أن يكون طبيعي أولاد يلعبون كرة القدم، طفلتين كل منهما تحمل دمية على عتبة البيت، مجموعة من كبار السن جالسين يتسامرون على سجادة مهترئة في ركن من الرصيف.
دون إضاءة سيارة عابرة لن ترى هذي المشاهد ولا أظن أن أي كاميرا بإمكانها التقاط كل التفاصيل الدقيقة التي تتحرك في العتمة.
كل الأصوات خافتة، صوت السيارات والدراجات النارية هو من يحرك الجو، المشهد بكليته لم أستطع تفسيره، ربما إن كانت الأفكار الذي تعشش في العتمة مسموعة الصوت لكانت أحدثت ضجيج أكبر من الشاحنة التي مرت، وربما في مكان آخر الآن نفس المشهد لكن تحت أضواء كاشفة كبيرة جداً ولا ترى بعض الرجال والشباب يجلسون القرفصاء في زوايا الشارع يدخنون، ومنهم من يحتوي رأسه بيديه ويختلس من حين لآخر النظر للعتمة، ربما في المكان الآخر إن انقطعت الكهرباء الآن، لدب الذعر ولشعر المثقفون والواعين في ذلك المكان في تلك اللحظة أن الأمر منافي لحقوق الانسان ويجب أن يعوض هؤلاء الآمنين عن لحظة الفزع وربما سيحاجّون بقصة الطفلة التي كادت ان تضيع من أمها وأصابها الهلع من العتمة.
لدينا لا يمكن أن تحاجج أحد بقصة لطفلة مشابهة، الأطفال هنا يستطيعون أن يتمشوا بالعتمة، ومنهم من يلعبون الغميضة ومنهم من يستطيع رؤيتك بسهولة في الظلام.
في غزة حين تنقطع الكهرباء، تهل اللعنات والدعوات على شركة الكهرباء والحكومة والاحتلال وربما الجيران النكديين، لا بأس إنه قدرك بإمكانك أن تحتسب أمرك عند الله خصوصاً إن كان عليك عمل وجب أن تكمله عبر الانترنت أو تحتاج لإتمامه الكهرباء، لا بأس هي لله.
ثم مؤخراً بدأت تجول بخاطري فكرة أن غزة بذاتها معجزة، كيف تخطت كل هذي السنين وما زالت موجودة؟ أتذكر منذ بداية الألفين حين بدأت أرى الحياة أو لنقل بداية الحصار حين أغلقت المعابر وشحت المواد الغذائية والوقود، حفرت الأنفاق وجيء بالمواد الغذائية والوقود من الجانب المصري، ثم شح الوقود ولم توجد طريقة للحصول عليه أو لتسيير السيارات فجعل الغزي زيت السيرج وقود للمركبات أو غاز الطهي (هل هناك أجمل من أن تفوح من سيارتك رائحة البطاطا المقلية؟!).

 وحين انقطع الغاز عادت غزة لاستخدام البابور والنار والشمبر وغيرها من الوسائل، ثم أزمة الكهرباء التي جعلت الغزي ينظم جدول أعماله حسب جدول انقطاع الكهرباء، فتؤجل كل  أعمال الغسيل والكوي وغيرها لعودة الكهرباء، وأثناء انقطاع الكهرباء يمكن أن تقرأ كتاب أو تفعل ما تشاء من أعمل البيت ويمكن أن تخرج للبحر أو تقوم بالزيارات العائلية لبيوت الأقارب الذين لا تنقطع عليهم الكهرباء في وقت زيارتك، والشباب غالباً يتجهون للمقاهي هرباً من الملل، هناك العديد من الأفكار للتغلب على مشكلة الكهرباء مثل المولد الكهربائي والشمع "هناك ضحايا من الشمع في غزة لذلك قل استخدامه"، أو الكشاف، وهناك اشياء أكثر ذكاءً مثلاً يمكن تشغيل راوتر الانترنت ببطارية الشاحن خلال انقطاع الكهرباء، أو تشغيل التلفاز على أنبوبة الغاز خصوصاً لمباريات كرة القدم المهمة، أيضاً الجار للجار إن كان خط جارك مختلف عن خطك، يمكن أن توصل الكهرباء من جارك حين تنقطع الكهرباء عليك، ويوصل هو منك حين تنقطع عليه.

 إنها مدينة تعشق الحرية تعيش في الظلام، وأجد من الظلم هنا القول بأن السكوت على الظلم أحد مظاهر العبودية مع صحة المبدأ لكن الناس هنا احتملوا ما يفوق التحمل واحتمالهم لا حدود له، ونفاق ساسة السياسة لا حدود له، كيف يخدع الانسان هنا! أو كيف تغلب المصالح على الوطن، لا يمكن أن أفهم ما يقصد أحد حين يأخذ صورة في زيارة مكان الحدث، هل يحاول ان يقنع نفسه أنه فعل ما يجب، أم أنها دليل على حرصه على الوطن، أم أنها تعني انظروا لقد كنت هنا من أجل القضية؟! الوزير والرئيس والجميع يعد الشعب وهمومه أولى أولوياتهم فلماذا يريدون إيصال فكرة أنهم فعلوا عظيماً وما أحسنهم والدليل صورة وووو.. كم نفتقد الأشخاص الذين كانوا يتسابقون على خدمة الناس سراً والسيدة العمياء الكبيرة شاهدة عليهم، دعنا لا نبعد كثيراً لماذا لا يتخذ أحد رئيس الأوروغواي "خوسيه موخيكا" نموذجاً ؟

ولماذا توجد فجوة بين كبار موظفي السلطة الفلسطينية والشعب؟! حتى أن المناضلين أصبح لهم برستيج يجعلهم يتحاملون على فهم الشعب البسيط، أين هم من حياة البسطاء، أجزم أنهم لن يحتملوا ليلة واحدة بدون كهرباء، ثم إن قلت لهم هذا سيذكرونك ببطولاتهم قبل أوسلو، اسمحوا لنا توقفوا هنا، من بعد الألفين جربنا حربين وحصار طويل واجتياحات ووو.. طيب ألا يشعر احد بالخجل في الضفة من موضوع إعادة اعتقال الأسرى بعد تحريرهم من سجون الاحتلال، طيب بإمكانك ان تتأكد من أن الأسير لم يقع في شباك العمالة لكن دون ذلك التعذيب الذي يؤكد أغلب من جربه أن تعذيب الإسرائيلي أرحم؟؟!!

ثم لماذا لم يؤجل موظفو حكومة غزة احتجاجهم على رواتب موظفي السلطة للشهر القادم، لأن حكومة التوافق مسؤولة عنهم منذ أيام وليس من شهر مايو؟! وما الحكمة من أن تخلف حماس خلفها هذا الكم من الخوازيق وترحل ببساطة؟ لماذا التجارة بالدين؟ ولماذا من ليس معي فهو ضدي؟ ولماذا الظلم ووو، ولماذا؟؟
حقاً لا أحب الخوض في السياسة لكنها رغماً عنك تقتحم حياتك.

بالمناسبة أخطأ ميكافيلي حين اقترح على القراء أنك يجب أن تكون "يا ابيض يا اسود"، الرمادي ليس سيئ أوأن تكون بلا لون أفضل أكثر، لست مضطراً أن تكون فتح أو حماس، يسار أو يمين، مرسي أو سيسي، ربما كلهم خطأ ولم تجد نفسك في أحد، أو أنت نفسك اتجاه وفصيل وقضية، فارحمونا من قصة الحكم والتصنيف من كلمة أو رأي فأنتم لستم في عقولنا، وليس لأحد أن يفرض عليك فكرك أو رأيك أو اتجاهك لأنك تمثل نفسك بالنهاية.
تصحبون/تمسون على واقع وحياة أفضل...

تم في 6:20 من مساء السادس من يونيو في العام الرابع عشر بعد الألفين.

الاثنين، 26 مايو 2014

عتمة كونية في غزة | أزمة الكهرباء


وأخيراً اكتب.


أظنني شعرت بالفعل بالقليل من معاني العزل الانفرادي، أن تكون وحدك في زنزانة متر بمترين دون إضاءة أو أحد حولك، يا ويلنا مما يعيشه الأسرى.
هنا لا كهرباء، عتمة من يميني ومن خلفي ومن تحتي ومن فوقي، ولا أرى أطرافي التي أشعر بها..
ربما وصل الحال لأن أشتم نفسي، ثم أحاول ان أحبها وأفكر كيف يمكنني تقبيل نفسي ؟!
ثم عرجت على أفكار فلسفية عميقة مثل: انعكاس أفكار الساسة على الشارع، وهل يمكن بالفعل إحداث طفرة ما لكي تختصر الحداثة طريقها إلينا، حتى الملابس وولماذا ظهرت وكيف؟ ووما هي الأبعاد الأساسية لظهور الفيزون، وإلام يرمز؟
يبدوا أن حجم الخديعة كبير جدا جدا، لماذا سيضرك شخص من بلدك؟ ماذا يقصد بأن يجعلك تعاني من مشكلة الكهرباء مدة ثمان سنوات، هل هناك حقاً ما يحاولون إلهائنا عنه؟

الحياة بالمطلق ميتة تماماً في العتمة، وكأنك بالضبط داخل العدم، حاولت أن اؤمن بالمعجزات، جربت العد للرقم 90 وبالمقلوب أيضاً لكن لم تعد الكهرباء، جربت اختيار ارقام عشوائية 15، 16، 25، و14، لكن عبثاً، خطرت ببالي فكرة بما أن اللابتوب يحتاج لشحن، سأجرب وصله بالشاحن ربما تحدث المعجزة وتفاجئني الكهرباء بعودتها فور وصل الشاحن، لكن عبثاً أيضاً، ما زلت متمسكة بفكرة أن عودة الكهرباء ستكون قريبة وستكون استثنائية، تسائلت لماذا لا يستجيب لي الله؟ و احدق بالعتمة قليلة ثم اعود للعد حتى بدأت أسمع سورة مريم.

سورتي المفضلة، لا أدري لم بدأت بذكر زكريا عليه السلام وهي سورة مريم، تأكدت لي النظرية القائلة بأن الإيمان والعمق الديني متعلق بالرخاء الاقتصادي والمكاني والنفسي، لم أستطع التركيز دون كهرباء وبهذا الحال.

الذاكرة هي المهرب والملاذ، حين تبدأ تقيم صحتك العقلية ولا ترى إلا العتمة، الكثيريون يفكرون بأشياء مخيفة بالعتمة، إحدى جاراتي يخيل إليها أنها ترى ملك الموت في العتمة، لذا لا تستغني عن الشمعة أبداً.
لا مهرب من العتمة، الصلاة حل رائع في كل الأوقات، كان الله أمامي ووجدت كل الإجابات، لكن عبثاً هناك شيء يلفظ أنفاسه الأخيرة داخل القفص الصدري.
حاولت أن افكر كيف أحفظ افكاري من الضياع قبل عودة الكهرباء، جربت أن أطوق رأسي بذراعاي خوف أن تهرب الأفكار، احتفظت بها لخمس دقائق فقط، جربت بعدها أن أرددها بعقلي أكثر من مرة بشكل متسلسل لكي أكتب، ولكن في متاهة العتمة اختلط الترتيب، وتاهت واحدة وانفرطت المسبحة، إذن بقي حل أخير هو الكتابة، ووجدت الورقة وتناولت القلم لأكتب على ضوء الهاتف الذي سيقفل من تلقاء نفسه بعد قليل لأن البطارية شبه فارغة، وحين قالت اختي "ياااااارب!!!" لحظتها عادت الكهرباء !

بعض مني لا يرد أن أنشر ما كتبت، لكن البعض الأخر يريد، الأمر مؤلم حقاً ويجب بأي شكل أن يوجد حل قريب.

وحين أفكر بكل الأزمات والحصارات التي تطوق نفس المواطن الغزي وعقله، والحروب الماضية، والحملات العسكرية المتلاحقة، لا أظن الغزي مؤهل نفسياً ليكون إنساناً حسب النماذج الموجودة في دول العالم المتقدم، ربما الغزي فقد نفسه وإنسانيته، والروح ربما استشهدت في إحدى الاجتياحات أو الغارات، أو ذات انقطاع كهرباء. 

لا أحد  صحيح ولا أحد برئ الجميع يجرم في حق نفسه والآخرين، وكلنا مثل الآخرين، ننتظر معجزة، ربما كانت المعجزة أن يخسف الله الأرض بنا فنحن لم نعد نستطيع الحياة بشكل اعتيادي كباقي البشر، ربما فكرة السفر في العطلة تعد لدى الغزي ترف مبالغ وإسراف في متع الحياة، ينبغي أن تتوب عن التفكير فيه، حتى الاقتصاد والتشاؤم والقلق الذي يسكن بين العضلات الملساء في الأذرع والظهر يجعلك لا تعرف ما تعني الراحة. طيب هل فكر أحد بعمل حملة مساج مجاناً لكل غزي؟ أو جلسات يوغا ما بعد انقطاع الكهرباء وما بعد كل أزمة.
ربما حقاً يحب الله غزة، ليبتلينا بهذا الكم من المصائب المتلاحقة والصبر الذي لا ينتهي، لكي نكون أكثر حكمة ونضجة من باقي شعوب الأرض، ربما !

ما الفائدة من نشر ما تكتب حقاً؟ الأفعال لا تحتاج أقوال لتبريرها، هذا يوحي لي بضعف موقفي ويوجعني، لكنني سأنشر ما كتبت ..

الأربعاء، 21 مايو 2014

لا تخافوا من جواد 2


ضجيج شديد يتناهى لسمع الحارس من داخل مصنع السكاكر، تناول المصباح ومضى نحو الداخل بحذر، الحقيقة أنه في موقع الحراسة الليلية منذ خمسة عشر عاماً ولم يقتحم أحد المكان أو تصدر هذه الجلبة العالية. حتى الأضواء مطفئة، لكن عبوات المواد الخام والسكر ملقاة على الأرض، رأى شيء أبيض وسط الظلام، يقال أن العين البشرية قد تعكس طيف مضيء في حال وجود ضوء قليل جداً في الظلام، بعكس القطط وما سواها التي ترى جيداً فهي تحتاج ضوء خافت لترى الأشياء جيداً، أصبح في قلب المشغل تماماً ما يعني أن الظلام يحيطه من كافة الجهات، حتى ضوء القمر غاب تلك الليلة، ما زال الطيف ماثلاً أمامه، بل إنه يكبر أكثر فأكثر، لو كان انسان فهذا انسان يقترب.
ضحكة مسموعة، كان الحارس يحادث نفسه: منذ متى وأنت يا وائل تصدق الأشباح والخرافات المستهلكة؟ (ضحك مرة أخرى)، ما زال الطيف موجود لكن كأنه لا يتحرك، "- هل اخفته الآن؟"، "- ما زلت يا وائل تفكر بالأشباح!" (ضحكة أخرى)، كيف له أن يميز أنه يحلم أو في الواقع، أتبع الصمت صوت صراخ طفل غاضب:" أين الحلوى ذات الكيس الأحمر؟ أين الشوكلاته المستديرة؟ أريد المارشمالو المخطط بالأخضر.." أجاب الحارس قبل أن يتدارك أن لا أحد هنا سواه والشبح: "هذه الحلوى توقفنا عن صنعها منذ سنوات طويلة، الآن توجد حلوة كثيرة جديدة"، يبدو أن جواب الحارس لم يعجب جواد فأسقط آلة جدل المارشمالو، أصدر الكثير من الجلبة.
لم يلحق بالحارس حين توجه لآخر الرواق مضيئاً المصنع بالكامل، المكان محطم إذن الأمر حقيقي، ترى ما مصدر ذلك الصوت الذي سمع في الظلام، لا بد أن يصوّر المكان بهاتفه النقال، ويحاول أن يرتبه قدر الإمكان، بعض الآلات تحمل كسور خفيفة كان يظنها بجودة ممتازة، متنقلاً بين الممرات، الأرفف، والآلات. وسط جلبة تحريك الأشياء من مكان لآخر هناك صوت بكاء خافت! "هل هناك أحد؟"، هذي المرة طفل متسخ خائف في الزاوية، لديه ألف سؤال في عينيه؟ عاد من الغرفة الجانبية حاملاً بعض الحلوى والشوكلاته، تناول الشوكلاته فبدا عليه المرض، تقيأ معها مادة شبيهة بالنباتات الخضراء، جفل بنظره أمام الرجل، واختفى بلمح البصر.
منذ قدومه تنام الخالة نائلة في بيتهم، نومها ليلاً خفيف جداً تتوقع قدومه بأي لحظة، يكاد يفتك بها الفضول خوف أن يقوم بإيذاء أو ترويع أحد ما، هذه المرة حضر جواد باكراً قبيل الفجر، "ما بك تبكي يا بني؟ هل أصابك مكروه؟" ناولته بعض الماء، لكن يبدو أنه ابتلع بحراً من الطحالب، حاولت أن تدق ظهره برفق كي تساعد، لكن كأنها كانت تمسك نسيج اسفنجي، ارتابت وخافت قليلا، حينها نظر جواد إليها مستطلعاً سر إجفالها عنها، ثم غزت عينيه غربة خانقة وألقى نفسها في حضن الخالة، كان نحيبه مصحوب بأسئلة عن واقعه الغريب، ما زال طفلاً.
أخذت الخالة تهدهده وتخفف عنه وتعده بالإجابة وتوضيح كل شيء، لا تدري ما كانت تلمس من جسد الطفل، لا هو الجسد كمثلنا، ولا هي العظام موجودة، وهو نائم في حضنها لم تعد خائفة، فالأغرب من كيانه الغريب هو وجوده هنا.
- يا خالة! ما قصة الملاهي سمعت الكثيرين يتكلمون عنها؟
- قبل أعوام كثيرة، انتهى اخوتك محمد، باسل، مهند، ولينا من امتحاناتهم، وذهبتم جميعاً مع أمكم للملاهي ...
- اااه، هل تقصدين حين رفضت أن تأخذني معها في الأفعوانية لأنني أصغر من المطلوب، تذكرت نعم
- إن كنت ترغب بالمزيد من الماء الدافئ سأحضر لك المزيد؟
- أريدكِ أن تكملي حديثك، لست جائعاً. "بينما ينظر للحائط بتشتت"
- لقد غرقت في الماء حينها، ولم تستيقظ، كما ابتلعت الكثير من طحالب البحر والنباتات السامة.
- ماذا تقولين!! انتم تركتموني أغرق، ولم توقظوني بعدها؟! ثم عرفت أخيراً سبب الأشياء المقرفة العالقة في بطني وحلقي.
- أنا لم أكمل بعد....
- لم أفهم قصدك يا خالة؟ أصلاً إلى أين يذهب الذين يموتون؟ ربما امي ما زالت موجودة مثلي
...
انقضت ثلاثة شهور على وجود جواد بينهم، كثيراً ما كان الناس يشاهدونه بالقبعة الصوفية الطويلة، والإزار الواسع، يقضي وقته معها في السوق كبقية الأطفال. ويبدوا أنه في القريب العاجل لن يكون ذلك الغريب الذي جاء من صندوق البحر، ربما!
تتوالى الحوادث ولقاءات الناس به، وكلٌ يحدث بما حصل، صمت الطفل غريب وسلوكه تغير فقد أصبح فجأة جواد العاقل بعكس ما تتوقع من طفل صغير.
الخالة هي أقرب الأشخاص لهذا الصغير، أكثر ما يحبه فيها هو طبخها المميز ووصفاتها التي توقف عن عدها منذ زمن، جواد أصبح يستخدم قواه الخارقة في الكثير من الأشياء حتى أن بعض الأشياء الطريفة التي تصادفه يسر بها للخالة، مثل إخفاءه لدمى الصغيرات في الحي، حتى بدأن يشككن بفقدانهن عقولهن، وأحياناً أخرى كانت الخالة تطلب منه فعل بعض الأشياء التي لا يستطيع سواه أن يفعلها، مثلا أن يراقب وهو متخفٍ أين تذهب جارتها أم تحسين، وتبين أنها كانت تكذب فلم تذهب للسوق لكن إلى شيخ يقال أنه يعالج بالقرآن لأجل ابنتها. أما جواد فلم يكن يستطيع ان يرفض لها طلباً.
في صبيحة أحد أيام الآحاد، ذهب والخالة وعائلته جميعاً للبحر، لم يحتج بذلة النجاة ليسبح مع أخوته، مضت الساعات سريعاً، لا أجمل من التراشق بالماء مرة أخرى بصحبة العائلة، أخته أعدت لهم بعض الأنواع من المعجنات والحلويات، بقي والده متربعاً على قطعة صوفية كانت رداءً لخروف يوماً ما، بجانبه الخالة، يتحدثان بأمور سياسية، وما آلت إليه الاسعار أخيراً وإلى أين ارتفعت، بالإضافة لسؤالهم لينا، لِمَ لَم تحضر أطفالها لهذي النزهة، لكنهم ذهبوا مع أبيهم لزيارة بيت جدهم.
بقية أيام الأسبوع التي تلت هذي الرحلة، لم يتوقف جواد عن الحديث عن ما أمتعه وما كان أجمل جزء من الرحلة، يوم الجمعة أسرت الخالة لجواد أنها أعدت له طعاماً مختلفاً عن باقي العائلة، ما جعله يصبر لما بعد الصلاة، وما بعد الغذاء، قدمت له طبق من السمك المتبل، أكل بنهم حتى أتى على الوجبة بالكامل، وانشغل مع الخالة بعدها بتعلم كيفية تنظيف يديه من السمك بحيث لا يبقي على الرائحة فيها.
الحارس في حديقة المدينة انهمك بتنظيف الأوساخ الخضراء التي ظهرت في الممر الخلفي، في عمل كهذا يمكنك أن تتوقع حدوث أي شيء لا سيما أن المكان يعج بالناس من كل الأصناف والأعمار، وهو الوحيد المسؤول عن نظافة هذا المكان، خطرت في باله مرة أن يقيم دورة تثقيفية مجانية للمواطنين، لتعليم آداب التعامل مع القمامة لكن يا حسرته على هذي المدينة التي يحصل كل شيء فيها بصعوبة كما يقول " بطلوع الروح".
التأخير على البيت على غير العادة قد يصيب الخالة بالجنون، لكن هذي المرة والده هو من جن وخرج باحثاً عنه، وعاد به أخيراً، بقي في غرفته متقوقعاً في الزاوية، بدأ بالكلام حين دخلت الخالة بهدوء ترتب الثياب في المكان، واهناً جواد "بقيت طول اليوم أخرج شيئاً غريباً من معدتي، كان يهز معدتي وكأنه يلقيها من سطح بناية عالية لتتحطم على الأرض" أطرقت نحوه بصمت "حتى أنني يا خالتي، وضعت شيئاً من القطع الخضراء في حوض السمك بحديقة المدينة، فطفت كلها على السطح ميتة!!" ردت من فورها :"ماذا تقصد ؟؟" أكد لها أنه لا يقصد شيء، وخرج تلك الليلة حين تأكد له أن الجميع نائمون.
لماذا قد تدس بعض السم في حشوة السمك؟ لماذا قد ترغب بالتخلص منّي؟ والصمت المطبق رد عليه فقط.
استيقظت الخالة ليلاً تشعر بوجود حركة في الممر، خرجت فتجمدت فبهتت، هُيء لها أن شبح أختها يقف في آخر الممر، بدت ملامحها واضحة، عابسة، غاضبة، عاتبة، وكأن سؤالاً يدور "لم لم ترعي الأمانة؟"
فركت عينيها جيداً، وأضاءت المصباح، رغم غرابة المشهد قبل قليل، بدا كل شيء كما كان، وقد غالبها النعاس فعادت لفراشها متثاقلة.
كان جواد يجرب السرعات الجنونية التي قد يبلغها طائراً فوق الأرض بأمتارٍ قليلة، حركات عنيفة شهدها الشاطئ من طلوع الفجر وحتى الصباح، أما في البيت نهضت الخالة فزعة، وضعت شال وجدته بالجوار على رأسها، وهرعت خارجاً صعدت أول سيارة إلى الميناء، فات الأوان وقفت مع المتفرجين هناك.
جواد وصل إلى أقصى حد سمحت به قوته تلك اللحظة حتى خارت قواه في عرض البحر، استلقى متعباً فوق الماء.
في الظهيرة لم تسفر عمليات بحث الصيادين إلى عن بعض أسماك القرش تدور حول بقعة دم كبيرة طافية على سطح الماء، وكأنها ترقص فرحة حول فريسة أو شيء ما.

إلى هنا يستريح جواد وقلمي وتطوى الورقة.

الجمعة، 25 أبريل 2014

التدوينة

الصورة قد تحمل رسالة بلا شك :) 

هذي التدوينة خفيفة لطيفة، خيالية، غير موضوعية وغير محايدة، والأحداث الواردة بها قد تكون خيالية، آه والتدوينة ليست للجادين جداً في الحياة، ولا للعايشين في الشقة اللي قبالهم.


أهــــلاً وســــهــــلاً بــــكــــم فــــي تـــــدويــــنــــة "الــــتـــــدويـــــنـــة"


قبل أن أبدأ بتدوين مدونة لي لأتذكر ما فيها لاحقاً، أحاول تذكر ما حصل مؤخراً أغلب الأحداث التي لا أرغب بنسيانها. بنسيانها، نسى ينسى نسيان ! ؟نسيان" اسم رواية لأحلام مستغانمي، لكني لم أقرأها ابداً ربما لأنني أعرف سلفاً أنها لن تناسب لذوقي في القراءة، أظن.


لا يمكن أن أكثر من الشجن المبتذل لأعبر عن الحالة المرافقة لهذي الأيام، مؤخراً بدأت تهل مفاجآت، أحداث، وصدف كثيرة، لذلك من الظلم أن أحكم بسوداوية، أستطيع أن أرى الجيد والكئيب معاً.


قبل عدة أيام، بينما أجلس في الباص بينما حولي الكثير من المنقبات، بالمناسبة الساعة الثالثة تقريباً تمتلئ الباصات بهن، لأنهن غالباً إن لم يكن لديهن محاضرات، يبقين في المصلى لدروس وندوات واجتماعات إلى نهاية الدوام. المهم أنني حاولت، الطريف أنني اتحدث عنـ"ـهنَّ" وقد كنتُ يوماً منــ"ـهنَّ" (مضحك مثير للاستغراب)، الأهم أنني نسيت ما يسمى "بلوتوث" متاحاً لحظتها عندما انطلق الباص، حاول أحد الأجهزة النقالة الاتصال بي، يبدو أنه ملف، تبعه ملف وملف وملف، ملفات كثيرة أرسلت لي "أميرة بكلمتي" ! كلها كانت صور لأطفال مع أدعية ومنشورات مصورة عن فوائد الصلاة، الزكاة، والكلمة الطيبة، واضح جدا أنها إحدى المنقبات حولي، تقريباً اعرف أكثر من نصفهن ويعرفنني جيداً، كان يجب عليّ أن أنصب فخاً لكي أكتشف من هي "أميرة بكلمتي"، فأرسلت لها عبر "بلوتوث" أيضاً أغنية دينية، واحدة فقط من رفعت هاتفها نحو اذنها وبدأت تسمع، وأنغام انشودتي تصلني، عرفتها وكان ظني في محلي، موقف طريف ولذيذ، تقدمت باتجاهها، وأخبرتها :انا "دينا" في البلوتوث، عرفت اسمها الحقيقي، ورأيت غبطة كبيرة تتسلل إليها، هل لأنها عرفت شخص جديد؟ أم لأنها عرفت الفتاة المجهولة التي كانت تراسلها عبر بلوتوث، أم أنها شعرت بعظمة ما أنجزت بانها أرسلت لي رسائل دعوية ربما أثرت فيَّ أنا التي ألبس جلباب أقصر منها بشبرين تقريباً وألبس شالة فيها الكثير من الأحمر والورد، بعكسها كانت ترتدي أسود طاهر من كل الألوان والأشكال؟؟


ما عليكم، إحداهنّ تلفظ كلمة "تركواز" بشكل عجيب، حتى أنني تصيبني تقلصات فظيعة في جسدي حين أسمعها! لا أقصد السخرية من أحد، ولكن لا استطيع نسيان طريقتها في الكلام، التكلف جلي واضح مفضوح مكشوف، لماذا لا تكون طبيعية سترتاح بالتأكيد، وتريحنا معها.


أول شيء فكرت فيه حين قرر الامتحان أن يبدأ، هل من المنطق أن أجيب بكل جدية على امتحان لا يعلوا عن كونه تسلية أطفال؟ فعلاً كانت الأسئلة سطحية غريبة، تريد أن تختبرنا في القواعد الكتابية، رغبت بالضحك لكن الجدية حينها اكتست وجوه الجميع، والغش ممنوع أيضاً، توكلنا على الله، وجاوبنا أخيراً، أثناء إجابتي وجدت أن الكرسي مُزَيَّت حديثاً فكأنما طلب مني أن امسح فوق حديده برفق، وفعلت، كان كرسي لطيف تحمل هذا الامتحان الطفولي بسعة صدر، جاوبت بكل ذمة وصدق، وسلمت الورقة بعد انتهاء الورقة، لأنني اتخذت الورقة لوحة خاصة لمدة ساعة، ولا داعي لذكر الشق الثاني من الامتحان لدواعي الخصوصية، ولكنه كان محرج وطريف.


الأطرف أكثر هو سخرية القدر، حين يبين لي أنني لست سوبرمان، قد اخطئ في قراءة الوجوه، أو في التشبيه على الناس كما يقولون، وكأن صفحة من جزءٍ سابق يعود للصف السابع فُتحت، ورأيتها أمامي لم تتغير، كان شيء جميل يسكن في عينيها، شفافة أجزم وطيبة جداً، ربما لن ألتقي بها إلا في صدفة أخرى، وهذا ما أريد كي لا أفسد قدسية لقائي بها، كشخص مميز، ولست أبالغ هنا.


والأغرب هي الاسقاطات الفكرية التي يعرضها لي العقل الباطن على شكل أحلام، أشياء مخيفة ولكن ما باليد حيلة، إن كان الباطني مبرمج فالخارجي مبرمج، ويجب عليهما الاثنان أن يتفقا سوياً لن يتنازل واحد للآخر، فالأمر أصبح معقد جداً، كنت أظن سابقاً اللوحات الإلكترونية ووصلات الأسلاك معقدة، لكن حين حاولت أن أتكلم عن الطريقة التي انظم بها أفكاري، أو الطريقة التي أربط بها الحقائق سوياً، أو حتى وصف طريقة تفكيري، بدا أنه الأمر الأكثر تعقيداً في الحياة، أنا أرى الأشياء بغير ما أتكلم بها، أفهم بلغة أخرى، ليس بالضرورة أن أكلم نفسي ونفسي بالعربية أو الانجليزية، هناك لغة الرموز العقل بارع جدا بها، ويبدوا انه مستحيل المستحيلات أن تصفها أو تخرج بعضها للخارج، حتى أنني حين أفكر بالعقل الخارجي الذي يتصرف ويعيش مع الناس، لا يمكن أن أفسر طريقة عقلي بأسلوبي مع الناس.


أنا لست اينشتاين، ولا عبقرية، ولا ذكية حتى، ولست مضطرة لأكون شخصاً آخر، انسانة عادية تحاول أن تستخدم عقلها لأقصى حد، وتحاول بكل جهدها التغلب على الديسلكسيا التي تحط على عيني كفراشة حين ابدأ بالدراسة للامتحان، وليس من السهل أن تكون مراقباً لغريزة التبرير حين تبدأ بالحياد نحو الذات، هذي زلة لا تغتفر برأيي. طيب هل يعرف أحد كيف حال النجوم التي سنراها الليلة؟ لا بد وأنكم تعرفون أنها بعيدة لدرجة أن ضوئها الذي يصلنا، قد يعود لآلاف أو ملايين أو بلايين السنين!


ماذا عن أحلام اليقظة وعشرات ربما ألف سيناريو يقابل كل حادثة تمر، آخذة بعين الاعتبار نظرية الأكوان المتوازية، أحلام اليقظة التي تُقَطِّع حبل أفكاري إرباً إربا. أحاول كثيراً افتراض حدث ما حصل بنهايات مختلفة، أين تقع الأراضي المتشابهة التي تحدث كل نهاية مختلفة عليها؟؟


أما عن الآن لا أدري كم مرَّ علي من الوقت وأنا اكتب لكنها السابعة والثلث مساء جمعة الخامس والعشرين من إبريل، في العام الرابع عشر بعد الألفين، ربما اسم التدوينة جاء من وحي انتظار برنامج الليلة.

هذي التدوينة اهديها لصديقين شقيقين، أحدهما في غزة والشق الآخر بعيد في تركيا، سبيل التي جمعتني بها ذكريات لا تنسى رغم أنني  أحاول نسيانها ولن أكتبها، لكن بينت أنها تستحق أن تكون، كما جمعنا التخصص ذاته وفرقتنا الجامعة، جمعنا نوع القراءة ورغبات كثيرة وفرقنا المكان، أما الشق الآخر عبيدة هو صديق سبقت معرفتي به اخته، أتذكر منه محاولاته للتغريد بشكل طبيعي أثناء توجيهي، ثم الدعاء المكثف له ليسافر للدراسة، ثم الغربة التي بدأت تلتف حوله، والنصوص والعبر الجميلة التي بدأت تهب من هناك، لكما أهدي هذي التدوينة.

أطيب الأمنيات

بيسان

الجمعة، 18 أبريل 2014

قسمة ونصيب



النصيب

جرائم بالخفاء..


الطرق كثيرة لتحب شخصاً في غزة، ولكن الخير بيّن والشر بيّن، هناك من أحب بصمت لكي يدق بابها حالما يكمل استعداداته ويجهز نفسه، وهناك من يتسلى باسم الحب. لا شك أن الفرق شاسع على الرغم من أنه غالباً ما يختلط الحابل بالنابل.

أحبها، أعلمها، ونوى أن يتقدم لطلب قلبها من ذويها، رُفض مراراً ولم يتخلَّ عن الفكرة. الفكرة هي أنه لن يرضى سواها شريكةُ لحياته، الوالد متمسك بموقفه الرافض للشاب، ألا يذكركم بقيس بن الملوح؟! لا تشغلوا بالكم فالموضوع لم يعد بذلك الصدى كما كان سابقاً حين يجن أحدهم بإحداهن ويمنعه البشر من حلمه.

أما هي فأسرَّت أمنياتها وأرادته سرّاً، ما لبث أن تغير مجرى الأمور لاحقاً، تقدم آخر لطلب يدها من أهلها، ما كان منهم إلا أن رحبوا لما عرف عنه من طيب سمعته وعمله.

أوشك الأمر أن يتم في اليوم الذي سيتسلّم ذويها فيه المهر، لكن قبل النهار جاء الشقي ليلاً للشاب الجديد، راجياً إياه أن يتراجع عن خطوته، مدّعياً حبها وأنه من يريد الزواج منها. هذا الحديث كفيل بأن يقلب الأمور رأساً على عقب ويغير مجرى الأحداث وهذا ما حصل فعلا، حين أبلغ الشاب الجديد أهلها بما حصل، وطلب التأكد من الفتاة التي بدورها أكدت أنها تحب ذلك الشقي وتريد الزواج منه، ولكن والدها يحول دون ذلك.


لاحقاً ظللت الشاب الجديد غيمة من خيبة أمل، وانسحب هو وأهله بطلبهم، وألغيت كل المراسم المعد لها مسبقاً. حتى يتحرك الوالد ويحسم أمره من يعلم كيف ضغط على ابنته، من يعلم كيف اقنعها، من يعلم من الذي أقنعها، ولماذا انخفضت قيمة المهر المتفق عليه في أول مرة عن المرة الثانية، ومن يعلم حال الشقي الآن، لتتم المراسم بصمت وليعقد قران الفتاة على الشاب الجديد. وهل هي اختارت ان تدفن حلمها بيديها، وقد أحبت الجديد وعلمت أنها ستكون سعيدة معه؟! سؤال يحيرني حتى اللحظة.


في عتمة الكشّاف أو الشمعة تجلس على الفرشة والدتها وقريباتها، ويقلن: إنه النصيب !! إذا أتى فلا مفرّ منه، رتِّب ما شئت، أحب ما شئت، لكن ستتزوج نصيبك في النهاية، هكذا هي الحياة. ربما تقتنع الفتاة فالسيدات الكبيرات يتحدثن بإيمان مطلق وكأن كلامهنّ من مسلّمات الحياة.
-         شفتي يا بنتي؟! هادا نصيبك اجا لعندك اقنعي فيه واسكتي، شفتي وين وداكي الهبل وقصص المجلات!


النصيب، ما هو النصيب؟
النصيب يشبه اليناصيب، قرعة القدر يجريها ويختار، فلان لفعلانة وعلّان لعلّانة، وإن أحب فلان علّانة فهذا انقلاب على قوانين الكون.
برأي إحدى السيدات المعمّرات في المخيم، "
النصيب بيصير لما يجي الشب والتاني والتالت وما يصيرش نصيب، لكن لما ييجي الشب الموعود الدنيا بتتسهل ما بتعرفي كيف، وبتزوجوا. هيك نصيب! ".


يرى بعض الشباب أن النصيب هو الزواج ممن تحب، والكهل الذي يفترش الرصيف يرى النصيب:
"اخو الحظ، اقلك لأ النصيب هو الحظ، مكنتش عارف اني بدي اتزوج أم أحمد، كانت امي في البلاد بدها تزوجني مريم بنت الصوّافة، النصيب يا بنتي لمّا واحنا مهاجرين في ال48 من قريتنا، طاحت مريم بنت الصوّافة ع وجهها ومن يومها بطلت مريم المليحة الحلوة، شايفة النصيب! لو اخذت مريم كان ظلو يعايروني فيها!"


لكن بالنسبة لي، بقيت الأسئلة معلقة: ما هو النصيب؟ وهل للنصيب أن يقتل أحلاماً كان يمكن أن تبني نواة سعيدة في بيت ما؟ تلك الفتاة التي اصبحت على ذمة الشاب الجديد، هل ستحبه؟ وما موقفها من الشقي "الأولاني"؟ هل ستجلس بينها وبين حالها يوماً ما في المستقبل وتفكر ماذا لو تزوجت من أحببت وأحبني؟ هل يمكنها أن تحيا مع الرجل الجديد دون مشاعر؟ هل النصيب يسعدنا دائماً؟


"تمت برجعة الكهرباء" 9:53م 18/4/14


الأحد، 13 أبريل 2014

هلوسة | مع من أجلس؟




مع من أجلس؟

هل حقا أنا ابحث عن المثالية أم لا؟

  في جو جميل يرغب كل منا بمشاركته مع المقربين في جو مميز، لكن كثيراً ما حاولت محاكاة الأمر في عقلي، مع العائلة تشعر بغربة أمام البحر، وكأنه الوقت الذي يتطلب عليه البقاء فيه مع نفسك، ثم مع الصديقات هناك شيء كبير ناقص، حتى حين افترضت في خيالي شخص تحبه بيسان تجلس معه أمام البحر لكن ما زال هناك شيء ناقص وكأن المكان تنقصه أرواح كثيرة ستملأه بالبهجة إن كانت هنا، هذا الأمر مزعج بحق، فحين تتمنى من أحد مشاركتك في فرحة عظيمة تلك الحاجة الماسة للصراخ والضحك والرقص لأنك حصلت على مكافأة لم تتوقعها، أو حققت إنجاز عظيم  لا يوجد شيء يحصل على أرض الواقع كما يجب، وهذا مرهق جداً.

وما تزال منذ سنين كالقطة تدور حول نفسها محاولة إمساك ذيلها، لا يمكنك إمساك الحلقة المفقودة، حتى في خيالي لا يوجد شيء كما أريد، ولا زلت أحاول معرفة نوع الحلقة المفقودة، حقيقة الوحدة شيء جميل للغاية حين تعطي نفسك الحق بالاستمتاع بأغنية وصوت ومكان كالبحر الآن، لكن ماذا لو كان هناك، ربما ما ينقص فقط هو أن أكون لوحدي دون أن افكر بأن أحد ما قد يزعج هذا السكون والجمال.

كما أدين بالاعتذار لصديقة تكن لي حب عظيم جداً، لأنني حقاً لا أشعر بأنني اصدر تلك الكمية المهولة من الحب، أشعر فقط بالموت يسري في جسدي، والحقيقة لا أشعر بالمشاركة الحقيقة لكثير من الأشياء، وأنا حقاً أجيد فن المجاملة وهذا ما لا أحبه، لكن إن كنت صريحة تماماً لن أجد أحد حول أعماق وحدتي المخيفة وأنا أريد الجميع، لأن أعماق وحدتي فظيعة موحشة ومخيفة وانا أحتمي بهم، أعلم أن الحل هو أن أمسك العصا من النصف، لكن لا يمكن أن استمر بالنفاق في أي حال، لأنني لن اغفر لنفسي حينها. ولا يمكن أن اضحي بنفسي مقابل القبول الاجتماعي. رغم أنني احترم  صديقتي جداً وأحبها لكن أجد قلبي عازفاً عن العطاء، كما أن تجربة الكلام متعبة جداً تهز داخلي بعف وتخيف الطفل الموجود بالداخل، لأنني وأنا وذاتي ونفسي بحاجة للخصوصية ولا يمكن أن أشارك ما حصل معي أو ما أفكر فيه وما أنوي فعله مع الآخرين لأنه شأني فقط، ماذا يستفيدون حين يعلمون أنواع الفاكهة التي أفضلها، أو الموسيقى المفضلة أو كيف أحب مشروباتي، حتى البرامج المفضلة التي أتابعها، وعادات أهلي في البيت، لكن لا يوجد سوى هذي الاحاديث، وأجد الكثيرين مندمجين فيها لأقصى حد وأنا آخر شخص قد يقبل بمشاركة مفضلات في حديث مفتوح كجلسة نقاش أثناء الفراغ.

أما عن الوطن فمن ذا الذي يملك الحق بتقييم وطنيتي وما يعني انتمائي لأرضي، صحيح أن الوطن يوحدنا، لكن علاقتي بالوطن غير قابلة للمقارنة مع غيري من حيث افضل أو أكثر من غيري أقل أو أسوأ، فكلنا نحب أو نكره بطريقتنا وبإرادتنا، والانتماء لأرض أو لمجتمع هو حاجة بشرية ماسة.

ثم هل يشعر أحد بي حين أشاهد منشور عن الأسرى، هل يجب ان أشارك لوعتي مع الناس، وأنا لا أقوى أصلاً على نشر أمر معهم، إلا وأشعر بتقصير نفسي، وما أفعله إن نشرت لا يكفر عني شيئاً إنما يضع قلبي في سيخ شواء فوق الفحم. كلنا نعبر عن ولاءنا للوطن وصناعه بطريقتنا الخاصة، وربما صلاة في جوف الليل أفضل من ألف منشور ومظاهرة. وربما درس ألقيه أو ورقة انتجها تفيد، وربما أيضاً مشاركتك البسمة مع الآخرين أفضل دليل على أنك مواطن صالح، الابتسامة قد تكون أكبر سلاح في وجه الاكتئاب والضياع والبطالة والموت، الوطن يا عزيزي لنا جميعاً، ليس لك فقط.

بينما أكتب في الباص واستمع لفيروز، مررت أمام جامعتي في الجنوب، وكأن مبنى H يحييني ويقول " أنتِ من جديد!" نعم أنا يا عزيزي، التعود حقيقة يصنع التآلف كما بيني وبين المبنى والجامعة، وقد أسميه حب لكن مع بعض الملاحظات، حتى المزارع المحيطة تعرفني والسوافي وأفتقد الكلاب الشاردة التي تكون هنا صباحاً.
ألا يمل هؤلاء الناس من الشمس؟ شاهدت هذي الأشجار على مدار العام، كم من ثوب كساها وكم غيرت من شكلها، مرة شاحبة ومرة خضراء رطبة، تكون في أجمل منظر بعد الشتا "فصل الحب". بالفعل مكان جميل كهذا من المعيب أن تسبب المخاوف قلة الزيارة إليه بمعنى انه مكان خالي وقد تحدث هنا سرقات أو خطف أو غيرها، ليس هنا فقط فهذا هو السبب الرئيس لبقاء أغلب الأماكن الأثرية مهجورة من المحليين في العراق، ومصر والسعودية.. ألا يمكنك أن تجدي مكاناً آخر سيدة جريمة ؟؟؟!

فيروز تغني الآن عن الحبيب، ترى لأجل من قد أغنيها، أو هل يمكن أن يكون لهذي الأغنية المعنى والاحساس العالي في لحظة ما؟! غالبا لا بنظري ..

بهذي اللحظة أشعر بنار تستعير بداخلي بعقلي وقلبي مع تركيز الشمس فوق رؤوسنا.. فيروز تعد ملطف جيد للأجواء .. هل من الطبيعي أن يعيش الانسان جنته على الأرض ويشعر بالرضا عن الحياة والأوضاع مستقرة حوله، ولا موت ولا بشاعة في الاجواء ولا بطالة ولا كساد بكل أنواعه وصولاً للكساد الروحي والاجتماعي؟؟
إن كان الطبيعي أن يعيش الانسان جنته هنا، لا بد أن نحاسب بأثر رجعي على كل ما فاتنا من حياة على هذي الأرض ؟؟ لست مكتئبة ابداً أنا احاول الوصول لأكبر قدر من السعادة وامسك بكل ما تطاله يداي، ولست افضل أو اقل من الناس هنا.

وهل من الطبيعي أن افتقد الكثير من الناس في هذا المقام؟ الصديقات والاصدقاء والناس الذين أعرفهم حتى معرفة سطحية، هناك اشخاص اتمنى بشغف ان أعرفهم عن قرب. ما سبب كل هذي الرغبات يا ترى؟!

ولماذا تغني إليسا عن الفراق دائماً؟ أجزم بأن أغانيها هي سبب فشلها العاطفي في التمسك بعلاقة واحدة طويلة الأجل، وهل تشعر الأزهار المتوردة في حديقة شبه مهملة بالفخر والغرور بين الأخريات؟ هل الظلم يقع هنا أيضاً؟ ما أشد غرور الانسان، نحن لا نقدر علاقتنا بالأشياء، وتربطنا المصلحة بكل شيء حتى القطة الصغيرة التي اعتدت أن تطعمها قد تحرمها من الطعام لأنها لم تفعل الحركة التي علمتها إياها امام الضيوف.

ولا يوجد ضير في اغتنام الفرص لتفعل شيئا جيداً، فالتغيير جائز في كل لحظة، اشياء كثيرة تنتظر منك ردة فعل على الاقل تجاهها، لكن هنا الأغلب متبلدون في الاحساس والفهم والفعل. الطفل الذي يبكي على الرصيف مثلا ينتظر منك أن تسأل عن سبب بكاءه ربما ضائع أو واقع وهو يجري، او صدمته سيارة بالخطأ، أو حتى ضربه أحد الاولاد، والرجل الحزين المكتئب ويشكو من ضيق العيش ومتطلبات الحياة التي لا تنتهي وخيبة أمله من تحقيق كل أماني لأطفاله، ينتظر منك ابتسامة لأنها تنعش الروح ولو للحظات، والفتاة التي تسير بالشارع لا تعلم لأي حد قد تكون معرضة لظلم وكبت وقمع، وتحاول تقييم شكلها ولا تغفر جهلها الذي هو واقع مفروض عليها غالباً، ثم تأتي لتقيم الجمال الذي لم يكن بيدها، جسدها وشكلها لأن ليسوا من  شأنك، كما أنه ليس شأن الناس أن يتدخلوا في شكلك .


وصلت سأنزل الآن ,,  J


الثلاثاء، 8 أبريل 2014

حين كنت صغيرة




لكل منا في طفولته تصورات عن عالم الكبار، قد تكون فقاعات صابونية، ما تلبث أن تنفجر في وجهك حين تكبر، بعضها مرت أمامي الليلة، بالمناسبة هذي ليلة الثامن من إبريل في السنة الرابعة عشر بعد الألفين، والساعة هي التاسعة المفضلة لي وخمس وأربعون دقيقة مساءً.

حين كنت صغيرة أردت أن أكبر لأنني كنت أظن أن للكبار في كل قرار وموقف جرئ عنيف حكمة كبيرة وتبين انهم يتسرعون ويخطئون ويتعصبون لآراء ما أنزل الله بها من سلطان.

حين كنت صغيرة أردت أن أصبح فتاة جامعية ناضجة لكي أتحدث بطلاقة المتعلمات وأتناقش برقي نادر وملفت، ولكن تبين أن أغلب الأحاديث بينهن تتحدث إما عن الارتباط أو آخر أخبار الفن في الساحة.

حين كنت صغيرة أردت أن أكون فتاة ثانوية حساسة وذكية، وتبين أن فتيات الثانوية هن الأكثر حساسية واكتئاباً واضطراباً على الكوكب.

حين كنت صغيرة أردت أن أتخلص من النوم على الفرشة والدوار الهائل الذي أشعر به حين استيقظ، بسرير لكي اشعر بالأبهة والفخر والاستقرار ولكن حين كبرت وجدت الأرض أكثر دفئاً من كل الأسرة.

حين كنت صغيرة كان أكبر مخاوفي الشبح الأبيض الذي يأتي من اشعاع مصباح النيون، ومن لص غريب قد يأتي للبيت ليلاً ويشاهد طفلة ما تزال مستيقظة ومستغرقة بالتفكير بشكله ولماذا يسرق ومن أين أتى، ولماذا تظهر السرقة في هذ العالم.

حين كنت صغيرة كنت أظن كل العالم ينحصر في حارتي والحارات المجاورة، وأن كل القصة تكمن في المهارة في الاختباء وسرعة الركض حين نلعب المطارة، ولكن تبين أن الدنيا أكبر بكثير وأن هناك صواريخ وآليات أفظع يمكن أن تطاردك وقد تسبقك قبل الهرب إلى زقاق ما، وحتى يمكنها أن توقع الجدران فوق رأسك.

حين كنت صغيرة كنت أصاب بالرعب إن علم أحد بمعرفتي لبعض الألفاظ النابية الجديدة، وتبين أنني أصبحت جبانة كبيرة بعد سنوات.

حين كنت صغيرة كنت أسعد كثيرا بتبادل الزيارات بين العائلات، وتبين لاحقاً ان كل الأمور هي زيارات ترد وترد بالمقابل وتستمر الدائرة الاجتماعية.

حين كنت صغيرة كنت أشعر بالفخر حين يقول كبير بالسن عن العادات والتقاليد، وعن مقامات الناس حسب عائلاتهم وجنسهم، ولكن تبين أنهم كانوا يطبقون نظاماً عنصرياً فيه طحن وظلم للآخرين.

حين كنت صغيرة كنت أشعر بالانتماء الفكري والقومي والعائلي والمدني حين اسمع أن الآخرون سيئون والأفضل تجنبهم، ولكن تبين لاحقاً أنهم سيئون لأنهم مختلفون فقط.

حين كنت صغيرة كنت أظن الفتيات البالغات المختبئات خلف ستائر البيوت يملكن هيبة كبيرة وبهاء بمكانهم مختفيات عن أعين الجميع، ولا يخرجن للشارع، ويهربن حين يأتي ذكر للمكان، ولكن تبين أنهن محبوسات يشعرن بظلم وأسى كبير وكان هذا سر صمتهن الدائم.

حين كنت صغيرة كنت أظن السجن مكاناً عظيماً وكنت أظن أن أم الأسير "قريبنا" تشعر بالحظ لأن الجميع يشير إليها بالبنان هذي أم الأسير، وكنت استغرب جداً الدمعة التي تمسحها بطرف شالها الأبيض، لطالما ظننتها دموع الفرح والفخر، وتبين أن أم الأسير تقاسي لوعة بحجم عشر سماوات طباقاً، ولا يشعر بها إلاها.

حين كنت صغيرة كنت أظن أن في السجن أبطالاً يستعبدون العدو، ولم يشر لي أحد يوماً عن التعذيب وغياب الانسانية هناك، وعلمت لاحقاً أنني كنت طفلة محظوظة بهذا وإلا لحرمت من النوم أياماً كثيرة، وحين كبرت أصبح الأمر يؤرقني وأخاف جدا بل واشعر بالتقصير والخجل حين أحاول أن أظن أن بحديثي عنهم افعل شيئاً من الواجب.

حين كنت صغيرة كنت أظن المهرجانات الوطنية هي بطولات تدك دولة المحتل بكل دبة قدم أثناء الدبكة، ولكن تبين أننا نرقص فوق الأطلال، وأن الضحكات والشعارات ما هي إلا عويل وبكاء دون دموع لأنها جفت.

حين كنت صغيرة كنت اظن بزيادة عدد شهداء حارتنا عن العشرة لا بد وأن يتحرر شيء من الأرض فالقتلى في سبيل الوطن زادوا كثيرا، ولكن مرت السنوات ورحل معهم الآلاف وما زلت محتارة هل يبصقون علينا من اعلى أم يهتفون أم يبكون، هل يقولون عنا تعساء، أم يحاولون العودة والأبواب موصدة!

حين كنت صغيرة كنت أظن أن الذين يركبون الدبابات ذوي أنياب ومخالب وأنهم من مكان فيه متوحشون قد يأكلون لحوم البشر، ولكن تبين أنهم بشر مثلنا مثلهم وأن ورطتنا ورطتهم اولئك المدنيين والأطفال والمراهقين الذين ولدو في هذي الأرض التي لم تكن يوماً لأجدادهم، ولم يخبرهم أحد عن حالنا في المخيم، ولم يخبرهم أحد كيف يقفز سقف الاسبست حين يلقون قنابلهم الدفاعية، ولا كيف يموت الأطفال عندنا، ولا يعرفون لمن تلك البيوت التي يسكنونها، هل تعرف ابنة ذلك الجندي الذي صوب رشاشة إلى رأسي حين كان عمري اربع سنوات أن أباها فعل هذا بطفلة مثلها!

حين كنت صغيرة كنت أشعر بوجود تشوه خلقي فيّ، حين يطالبونني بألا البس الفساتين كثيراً لأنني بنت ويجب أن تتعلم الاحتشام باكراً وعدم لفت الانتباه، وكنت اشعر بالرضا لأنهم لا يعلقون حين أكون حافية ومتسخة وأتصرف بسوء كالأولاد تماماً، وتبين حين كبرت أن لدى الكثيرين تشوه فكري ونفسي.

حين كنت صغيرة كنت أظن الكبار دائماً محقون ويستحقون الطاعة ولو كان لنا وجهة نظر في الأمر، وتبين لاحقاً انهم مثلنا تماماً قد يتسرعون وقد يخطئون وقد يندمون ولكن الفرق أنهم أقوى منّا ولديهم سلطة علينا، ولا يمكن أن يتعاقبوا ويرغموا على تغيير سلوك ما إلا بطرقهم.

حين كنت صغيرة كنت أظن أن جدتي ستبقى هنا للأبد وستصد كل من يحاول أن يضايقني وسأمثل دوري دائماً ببراعة واختبئ خلفها وأبقى صامتة بعيون منكسرة ونظرة ضعيفة بريئة، ولكن قبل أن أكبر رحلت جدتي للسماء في موكب ملكي مهيب لأنها كانت من أطيب أهل الأرض.

حين كنت صغيرة كنت أظن الأمهات مرتاحات من ألم القلق على الأطفال خصوصاً إن كبروا وحين تنتهي من مواجهة الطفولة والمراهقة والبلوغ وثم الامومة، لا بد انها مرتاحة جداً ولا هم يشغلها، وكنت ألوم جدتي على هواجسها واسئلتها التي لا تنتهي على ابنائها بالغربة، والقلق والوجد والدموع الخجولة، وتبين نظرياً أن معها حق.

حين كنت صغيرة كنت أظن أن السلام أمر مهم وليس من الضروري أن افتعل مشاجرة من اجل الحصول على دور لمرة واحدة على المراجيح في الروضة، وكنت أوزانها بأشياء أخرى فالحصول على السلام وراحة البال افضل كثيرا من الخروج بغم ولعب لوحدك مقابل أن تحجز مربع الحجلة هذا المساء دون طعم الانتصار والمشاركة، وتبين أن الصراع مهم وأن مكانك يجب أن تأخذه، وأن دور الكثير من الأشياء أن تحول بينك وبين مكانك وحقك.

حين كنت صغيرة كنت في صراع دائم بين رغبتي في أن أكبر لأحصل على امتيازات كثيرة منها التقدير وزيادة المصروف والكلمة المسموعة بين الكبار، وبين أن أبقى صغيرة لأنني ما إن أكبر سيأتي ملكان يسجلان كل ما اقول لكي أحاسب لاحقاً، وقد احرق في النار بسبب فعلة ما، وأنا صغيرة لن أحاسب على شيء حتى ضرب بنت الجيران، والغش في الواجب في الحضانة، واخفاء العصا الخاصة بالمعلمة، وقطع أزهار بيت المديرة، كان كل هذا دافعاً لأنتهي من كل الأفعال الخاطئة التي يمكن ارتكابها، لكن تبين لاحقاً أن لكل عمر أعمال خاطئة قد تكون لذيذة وممتعة احياناً، وأن ليس كل الكبار يهتمون بالملاكين الذين يراقبان، حتى الشيوخ الذين كانوا يهددون ويتوعدون، لم يكونوا يخافون فعلا كما كنت اموت رعبا من فكرة جهنم، وإنما لكي يجعلوا الناس يطيعونهم كما قال أحدهم: بالخوف فالخوف سر الطاعة!

حين كنت صغيرة كنت أسمع لدرجة قد أعد الأنفاس في كل جملة يقولها أحد الكبار، لكي استطيع محاكاة اسلوبه وطريقة تفكيره لاحقاً، ولكن حين افعل هذا لم يكن أحد يلتفت لي مع أنني لم اكن اريد أن احصل على الثناء، فقط أريد أن يسمعون وأبدي رأيي فأنا لدي القدرة على التفكير مثلهم واغطي جوانب اخرى ربما لم يتطرقوا لها، لكن لم يسمع أو يرى أحد، وحين كبرت عرفت أنني لم يكن ينقصني شيء، إنما هم كان ينقصهم الكثير.

حين كنت صغيرة كنت أشعر بغضب عارم وغيرة شديدة حين أرى غيري يتباهى بلوحة الموناليزا، ما يجعلني حينها اقفز نحو ألواني ودفتر الرسم، محاولة بجهد أن أفعل مثلها، وتبين لاحقاً أن ليوناردو دافنشي شاهد الويلات السود في حياته وعمل الكثير ليتعلم وتجاوز آلاف الأميال، لكي يرسم الجيوكندا / الموناليزا.

حين كنت صغيرة كنت أتشبث بالحياة بكل الأشكال، لأنني أردت أن افعل كما يفعل الآخرون في حياتهم، فهناك من وصل لمئة عام، ومن العدل أن أعيش التجربة كاملة، وحين كبرت رويداً رويداً أصبحت الحياة أبخس ثمناً ولكن ما زال تقبل فكرة الموت الآن صعب جداً جداً.


ربما كنت محظوظة وسمعت بحكمة مفادها أن "ليس كل ما يلمع ذهباً" في صغري، ولكن رغم ذلك وفي كل الاحوال ما كانت لتفيد معرفتي، لأنني وبعد أن كبرت عرفت ما تعني، وهذا البعض من البحر الفائض..