الاثنين، 1 فبراير 2016

التطرف



أن تدفع خصمك للتطرف أسهل طريقة للتخلص منه. تكريس مفهوم التطرف لدى الرأي العام كاتهام وادعاء على الخصم، كفيل بكسب القضية لصالحك من جانب الرأي العام.
أما، كيف تصنع متطرفا؟ تأتي من وجود عدو أو جهة تهدد المصالح الاستراتيجية، قد لا يشكل خطرا هذا الخصم في الوقت الراهن، لكنه بكل الأحوال مصدر تهديد محتمل يفضل التخلص منه ، صناعة التطرف هي أول مهمة في سبيل التخلص من العدو أو الخصم، يتم حشره في الزاوية مع وجود استفزاز مستمر من طرفك تستغل فيه ثغرات موجودة في أي جدار، ما يؤدي بشكل طبيعي للتصدي من طرفه والرد على الاستفزازات المتكررة، التي قد تأخذ شكل معاكس لفعلك الاستفزازي القانوني ظاهريا، فتبدأ انت بتحييد خصمك عن العرف والمنطق على شكل مزيد من الاستفزاز والعكس صحيح، على مرأى من العامة، لحظتها سهل عليه أن يقع في فخك ويتبنى أي وجهة متطرفة في سبيل التخلص من ازعاجك وتهديدك ومضايقاتك وحتى اختلاف وجهته قد تكفي لوصفه متطرفا، لحظتها ستستغل الفرصة الذهبية وتظهر أمام الملأ حاملاً شعلة العدل والمنطق والوسطية والأهم انك ستشهر سيفك أمام من يهدد استقرار الكون والطبيعة ولن تبذل جهدا في كسب الدعم والتأييد فتسيطر وحيداً مسرورا قوياً حسن السمعة وتفعل ما تشاء أيضاً.
نماذج كثيرة حالياً تشبه هذي الحالة، مثلاً بعيد الحرب على العراق في مؤتمر صحفي جمع الرئيس الروسي والأمريكي بوش، أثنى بوش على العملية الديمقراطية التي تسير السياسة والحياة الأمريكية وطلب من روسيا والرئيس بوتن تحديداً أن يكون أكثر ديمقراطية ودعماً للحريات وحقوق الإنسان، لحظتها كمشاهد وجدت نفسي أقارن بين الرأسمالية والاشتراكية، هل يعقل أن يكون إرهابياً فعلاً؟ قاطع الروسي المذيع متعذرا ورد ضاحكاً 'أوه، هل يقصد الرئيس الأمريكي، أن نتبع ديمقراطية الولايات المتحدة كما في العراق؟' مر الموقف بسرعة ضحك الرئيس الروسي والصحافة الموجودة، وطلبوا سؤالاً جديداً. واضح أن محاولة بوش لم تفلح لكنها نجحت في أماكن أخرى ومع أشخاص آخرين، كيف استغل الإعلام بثقله العظيم هفوات القذافي وكتابه الأخضر ليصبح مختلا عقليا متجاهلين نجاحاته السياسية وإنجازاته على صعيد الجمهورية، ومتجاهلين أيضاً ما سيؤول إليه وضع البلاد حتماً. نفس الحال مع الوهابية مع اختلاف اتجاه الحربة، والطائفية في العراق، والفساد في مصر وتونس.
استغلال هذي الثغرات لذات الهدف لا يعني عدم وجودها أو عدم الحاجة للتخلص منها، قد يحمل الحديث معنى أن العرب قد يكونون خصماً محتملا وهذا بعيد، بل إن وجود هذي النماذج دليل على استخدام قوي ومتعارف لهذي التقنية ربما، وبداية التساؤل كانت من دافع اجتماعي.
مثلاً فلانة تقول لأخرى أنها تفسد الأطفال بكثرة عتابهم، وإن لم تعرف السبب، تطلب علانية أن تتركهم معللة أن الثانية تحتاج طبيبا نفسيا، تقول أن الثانية لاتقول الصراحة دائماً دون معرفة الحقيقة أو الدوافع،لا تجيد الطبخ أبداً مع أنها تأكل مما تطبخ الثانية، لا تجيد عملاً ما مع أنها سمعتها تثني على عمل الثانية لصديقتها سراً ، تجعل من كل قضية أو حادثة عارضة حالة عامة متكررة ومتعارف عليها،أو كأنها تملك عيون لا ترى إلا السلبيات، تقول الثانية ما لم تقل، وتظن فيها ما لا تفكر فيه أو تنويه أو تقصده.
طريقة تفكيرهما وفهمهما متعاكسة تماماً، إنها تسخر من ذوق الثانية في الملابس وأي شيء وتعتبر اختياراتها مرجع ومقياس، مع أن الثانية لا تعجبها شخصياً اختيارات الأولى بنفس الوقت لا تعلق أو تذم أو تمدح.
اشترت مؤخراً شيئاً، سلب عقلها بجماله وفردانيته، الفكرة مبتكرة جداً وأحبتها، والأولى لم تبق على أحد لم يعرف بعد أن الثانية اشترت شيئاً غريباً وقبيحا، لدرجة محاولة إقناعها بتبديله!!
قد يملك البعض لا مبالاة بهذا الشأن لكن أظن أن العرف يتطلب الإنزعاج، والتصدي لمحاولات صنع صورة نمطية شاذة، لا سيما أن البيئة غير مرنة ولا تملك أفق أوسع للتعاطي مع الأشياء بل وتقبلها.
يعني مثلاً أنت لست بتلك الغرابة، ولا تشارك بالجلسات الحوارية لأن محتواها لايناسبك وتراها مضيعة لوقتك، وهنا برأيي مربط الفرس، فأنت بكل الأحوال لن تبالي بالرأي العام، من مدخل الحرية الشخصية وتناغمها مع العامة. ولكن إن وصل بالفهم الخاطئ للحريات العامة أن يهدد كيانك ومصالحك لا بد أن تنزعج أو أن تفعل شيئاً.

السبت، 26 ديسمبر 2015

سنية في حسينية


لا بد من فعلها، يصادف اليوم ذكرى عاشوراء، يجعلونني موضوع نكاتهم مؤخراً. 
الحسين له صورة مبنية على روايات وصفية متواترة ، هذا يسهل المهمة كثيراً، منذ انتقلت إلى هنا أصبحت أحسب على آل بني أمية، في المجالس التي تغلب عليها الأحاديث الدينية، ترمقني فاطمة بتلك النظرة، تقول "هذا ما فعل جدك بإمامنا وحبيبنا، وابن ابنة وحبيبة خير الرسل.." ثم يضحك الجميع، حين تفكر من زاوية حاكم أو خليفة سيؤرقك التفكير بطريقة للحفاظ على وحدة الدولة وجمع تلابيبها، فما بالك لو استيقظ تمرد أو ثورة بقيادة حفيد مؤسس دولتك! لا بد من حسم وإن مات مقتولاً معروف أنه من أهل الجنة بكل الأحوال، طيب كيف اجعل اتباعه وأي مارق يفكر بتقليده؟ سأمثل بجثته، بسيطة إنه من أهل الجنة. 

حسناً، أنا لا أحب الرأسمالية لكن يبدو من الصعب أو المخيف العيش دونها، هذي القبائل كيف سيمكن الإمساك بلجامها، والحلفاء، أخشى أن حلمه شرعي لكن بعيد المنال، كلنا نعرف أن الثوار لا يحكمون، وأنهم إن حكموا قلدونا، الأمر يشبه اتخاذ موقف سياسي، والتشدق ليل نهار بمحاسن القائد أو الحزب وثم في أول معاهدة أو تصريح يتعلق بإسرائيل، تتوه البوصلة، نترنح قليلاً ونرجع خطوة للوراء ونبدأ بإطلاق مبرراتنا، كما هو الحال مع أردوغان رجل النهضة، هناك نقطة اللاعودة التي يرتبط فكرنا أو قرارنا بمصيرنا، وللأسف المركب بيغرق يا قبطان، أين القبطان؟ يبدو أن لديه زورق سريع. 

نقطة اللاعودة، إن تم الاعتراف بأحقية النظام الجديد، هناك آلاف المعترضين، والمغامرة بالدولة أقصد برأسي ليست منطقية، وهو شجاع جداً يستحق أن يخلد وأن تجعل لرأسه قصة كما سيفه وولده وذويه. 
هؤلاء الأعراب ليسوا صادقين مع أنفسهم، مبالغته في الزهد حماقة، يوجد أفكار كثيرة هنا، رايتان صغيرتات لرجلين واحد بعمامة سوداء وآخر بعمامة زرقاء وقرمزية، وقفت أمام المشهد وقلت: "دعونا ننهي الخلاف هنا."

علي الصغير خطف الراية الثانية داسها بقدميه وصفقت أمه، يغفل الكثيرين عن وجود حسين سابق في زمن الإغريق، تتلمذ على يد داعية المحافظة والخائف من نوبات السياسة التي كانت تعصف بأثينا وقتها، أتباعه زادوا بعد موته، نعرف أن أرسطو كان ابن الحياة،لا أعلم حقيقةً إن كان مفهوم الفن الإسلامي سيختلف إن كانت الغلبة للحسين عليه السلام، المهم أن كليهما الحسين وأرسطو كانا وجه الإنسانية التي تنقلب على النظام الذي يستهدف الجماعات في سبيل الأقليات. 

طريف جداً كيف أصبحت إيران حليف روسي جيد، وقد كانت حامية أمريكية في وقت ليس ببعيد، لا يغيب عن أحد أن ظاهرة العسكرة تغلب على الجمهورية، وأن راية "يا حسين" ستبقى خفاقة فوق سهول وجبال فارس مع وجود آية الله الخميني، بعكس روسيا التي تتصدر جبهة صراع إدارة أموال العالم مع أن الأمر يختلط أحياناً مع أمريكا حسب كلام المعارضة الروسية. 

هل يستغرب أحد أن يقوم عسكري أمريكي بالصعود يومياً لتلة في بغداد ينادي المهدي؟ حسنا المهدي المنتظر كان أرسطو، كان الحسين،كان غاندي، كان جيفارا، كان ياسر عرفات لو أنه...، ما علينا. 

الحجارة كربلائية هنا، بكينا سوياً حتى انتصف النهار، في قصة أصبحت تقترب من الأسطورة يجد كل شخص ذاته في أحد جوانبها، أم محمد مثلاً فقدت ابنها في الجبيل، ذهب من أجل أربع: الله، الوطن، الحسين، وأمه. يحاول رجل أن يدس أنفه بحوارنا "أربعون عاماً وأنا أبحث عن أبناء المتعة هاهاهاها...". في ذهني أحاول أن أجد طقس اتحادي مشابه، عندما كانت مكبرات الصوت تنادي لعرض مرئي جهادي أمام المسجد في ذكرى استشهاد منفذ العملية البطولية، بعد صلاة العشاء كنا نتجمع في الشارع أمام شاشة بيضاء كبيرة معلقة على عمود الإنارة، يجلس الرجال على المقاعد البلاستيكية المستأجرة، الأطفال يسدون الفراغات بين المقاعد والممرات، والنساء يضعن أطراف شالاتهن على افواههن، متكدسات أمام أبواب أقرب البيوت للمسجد وصاحبة البيت من الداخل تقدم الشاي والماء. كنا نأتي للعرض حمادة ونغادر إلى بيوتنا مشاريع شهادة. يبدأ بأناشيد جهادية وفيديو للشهداء القادة يلقون كلمات مؤثرة، بعدها مشهد مرئي تمثيلي للعملية البطولية يتبعها وصية الشهيد وصوره أثناء التدريب والكثير الكثير من الدموع والعهود والأناشيد ونغادر. 

أزمة حقيقية أن تزور حسينية ولا تلتقي بآل البيت إلا في قلبك وفي أحزانك، طيب ما العمل؟ قلبي يكاد يتحطم وأنا أنتظر أمام السرداب، مهما فعلنا لا يمكن أن يكفي، مات الطيبون وبقي واحد يتاجر بالبشر في البحر المتوسط، ذهب الزاهدون وبقي أحفاد بني أمية يشترون الحصص الكبرى في الشركات الأمريكية ويتشاجرون مع ترامب، قتل الأبرياء وسبيت النساء من العراق إلى الشام وصولاً إلى المجر وألمانيا وكندا. 

السبت، 17 أكتوبر 2015

رحلة العودة




من يدري 600$ أم 1000$ ؟ أشعر بالإنجاز! كيف فعلتها ولم أحصل على الشهادة بعد،  آخر فصل هو الأطول على الإطلاق أو ليس الأطول لأنه لا ينتهي أبداً. في أمان الآن، الأونروا مكان جيد للعمل، أكثر ما يحيرني بعد الراتب: لماذا لم يطلبوا الشهادة والسيرة الذاتية بعد؟ 
اليوم الأول كان عابراً جداً، طُلب مني تغيير البنك الذي سأتعامل معه فقط، وعدت أنتظر رسالة التأكيد من البنك أو جهة العمل. 
هل يعرف أحد ماذا تفعل جارتي في هذا المكان؟ ولماذا يقدم المدير الموظفة الجديدة للزملاء؟ طيب وماذا عنّي؟
أعترف كنت فظة جداً وهو بليد جداً، فجأة أطل من من آخر الممر وفد أجنبي، لا يوجد أحد عاقل لا يستغل الفرصة، وكأنهم يعني تفهّموا الأمر وانتقلت بي الأحداث إلى غرفة أو قبو المقابلات من جديد.
أشعر بالإهانة من سخافة أسئلتهم على كثرتها المرهقة، بشكل ما أعدت المقابلة أكثر من عشر مرات، العمر سينقضي دون العبور منها، المقابلة الأخيرة بدأت بسؤال مفتوح عن المعلقات الشعرية السبع، يستحق الأمر التحدي. قبيل السؤال الثاني تأملت المكان، قبول مظلم متعدد المداخل تبعت المدخل الذي يؤدي للأعلى، بعض الأشخاص لديهم فضول طبيعي يختبئ بين الجينات، يجعلهم يخوضون تجارب جديدة دون سبب. الإضاءة هنا مختلفة تماماً، ضوء خافت حين تتكيف معه لن تعود ترى المدخل الذي جئت منه.
أبواب كثيرة جداً، ونساء كثيرات بأحوال باهتة أو ذاهلة أو مزرية، في المداخل والأزقة نساء أيضاً متكومات على أنفسهن أو مغطيات وجوههن بأيديهن، الأسمال البالية تشبه المكان، كلام غير واضح وضجيج وأصوات عديدة.
في الداخل أكثر، مكان أشبه بزنانة خرسانية كبيرة، ظلمة نوعاً ما، كل مرة أغمض عينيّ أعيش أحداثاً بأماكن مختلفة، ربما لا أحد غيري أجرك حقيقة أن هناك أحداث غير منطقية متوالية دون تسلسل.
للأسفل فتحة بالكاد واضحة، مصابيح صغيرة ملقاة على الأرض تساعد على الرؤية، إذن لا يساعد التركيز وحده للرؤية، متأكدة أن خيالات وخوف الفتيات غير مبرر. حائط اعتراضي مكان مناسب للقفز من أعلى، يوجد الكثير منه، نحن فوق الحيطان، هل رأى أحد وطواط بحجم الكلب؟ يمكن تفاديه وتسلق السلم للأعلى نحو الضوء، نفق صغير يصعد للأعلى، المشكلة ليست بالمتاهة ولا الوطواط بل الوحش البشري ذو الأنياب القادم! 
لم يبق الكثير، الشمس ساطعة بالخارج، حسب ما شاهدت في الأفلام لا يحتمل مصاصوا الدماء الضوء لكن لا يخبئون عيونهم بأيديهم ويصرخون من التسلخات ويستمرون بالمطاردة! يستطيع أن يلحق بي على سكة القطار ويغرز أنيابه برقبتي، لكن لماذا يحمل سكيناً ؟؟
أن تجد مساعدة بلحظة حرجة أمر متوقع جداً، رجل وزوجته وابن لهما يركضون لهنا، من المريح أحياناً الاستسلام على أمل الراحة أو انتظارة النجدة،  يبدوا تأثير الطعنات مخدراً، هذي أربع سكاكين ليست واحدة.
تظهر بالسماء بشكل طبيعي وليس مستغرب شاشة فيها قائمة أسماء على شاكلة تويتر، ربما إن اخترت أحد يأتي ويساعد، أول اسم لفتاة مكتوب بالعربية واسم المستخدم مختلف تماماً!؟ إذن لا شيء حقيقي، الصوت الغامض ما زال يهمس من أعلى، يتوقع، يحذر، ينصح، ويهزأ أحياناً بمن أرى أو بعض المواقف، وأعود من جديد للمكان السابق على أمل الخروج.

الاثنين، 12 أكتوبر 2015

سؤال لأي شخص



لو افترضنا أنني أو أنت في مكان بين مخيم ومنطقة شرقية حدودية، أنت في الوسط تعيش على الطريق العام، وحصلت مجزرة في المنطقة الشرقية، كان فيها رجل في بيته، أصيب برأسه إصابة مباشرة وهو يركض باتجاه الغرب، أراد أن يصل بيت العائلة في المخيم، هو يجري الآن باتجاك أنت ليعبرك ويكمل نحو المخيم، إنه يقترب، عيونه فارغة تماماً ونافورة مفتوحة في رأسه. أريد أن أتوقف هنا لنفكر لو أردت أن أصور المشهد وأعلم أنه سيحصل سلفاً هل أبدأ بك أنت أم الرجل ! الرجل لا يفكر إلا بالوصول للمخيم سيرتاح وسيفكر بماهية السائل اللزج الذي يعمي عينيه، كل شيء مؤجل لغاية الوصول المهم أن يركض ويصل الآن. أنت في بيتك هرعت للباب على صوت القنابل والقصف والناس تجري وتجري وبصرك مركز على الرجل ذو الرأس الدامية "لماذا لا يتوقف لتلقي الإسعافات؟ إصابته خطرة المجنون لأين يذهب؟!! ليوقفه أحدهم، لماذا لا أفعل أنا، لماذا لا أساعده، لو استمر سيموت! تبدو جمجمته من الأعلى محطمة! لماذا لا أوقفه، يجب أن أوقفه، لحظة ربما غيري سيفعل أو من الأفضل ألا أفعل....."..
السؤال هنا كيف ستُرِي المشهد لغيرك؟ من أين ستنظر؟ من  أين ستبدأ؟ ألا تخشى لو بدأت بالرجل الذي يجري سترى نفسك مجرماً أحمقاً ربما أو خارج دائرة الحدث، وإن بدأنا بك لن ترى الرجل إلا جزء من المشهد، لا يهم أن تتحرك المهم كيف تتوزع القصة بعدالة؟

لنحاول أن نكمل علنا نصل لحل المرحلة الأولى لاحقاً، وصل الرجل أمام بيتك وأنت أمام القرار الحاسم! نزلت مسرعاً تجاهه سيصلك خلال ثوان، ستتلقفه بذراعيك وتضع قطعة القماش على رأسه لكي توقف النزيف، هاااه وصل تقريباً ......

الرجل رآك في طريقه ظنك ستعرقل فرصته في النجاة، تردد للحظة بأن يقف، يحتاج أن يوقف النزيف، لكن الأمور تتعقد وهو لا يرى نفسه إلا في البيت، أمه زوجته وأطفاله وباقي العائلة، سيكمل سيكمل مهما كلف الثمن وسيتخطى الكائن الغريب الذي يقف بطريقه سيتخطاك، لقد كاد أن يصلك فيتجنبك بخطوة سريعة رشيقة أثناء طيرانه، سقط شيء !! سقط منه شيء ما توقف لأجزاء قليلة من ثانية وأكمل الطريق، نفسه تحدثه بأن ينظر للخلف ولن ينظر لأنه سيصل البيت في المخيم، لا أسرع منه الآن يكمل العدو، بدا جزءاً من الخيال في الأفق وهو يركض.

لنعود لك أنت، فتحت ذراعيك عن آخرهما ستمسك بالرجل وسترجع للخلف قليلاً لكي تمتص ارتطام جسده بك، بقي متران فقط سقط الرجل وارتطمت رأسه بالأرض، تطايرت أجزاء من دماغه ونافورة الدم تسقي الشارع، لقد سرق ما في عينك، وأصبحت عيناكك فارغتان أنت أيضاً، وصل الإسعاف أيضاً من الخلف يجري المسعفون ولم يلحقوه.

حملته أنت والمسعفون، وأنت ترى بعينيه، الكون أحمر والصفائح التكتونية ترتطم بقاع الكوكب وتصعد، أنت لا تدري ما تحمل ولا لأين ولا لماذا، لا تدري بأن الرجل ما زال يركض؟!

ما أفضل طريقة لترى ما ترى، ما افضل عين وأين تقف على الشرفة المقابلة مثلاً؟ من أين بدأت الأحداث؟ ومِن مَن؟ وأين موقع الرجل من الكون الذي انهار أمام عينيك وأين انت وكيف ستأخذ الآخرين إليك؟؟؟؟

لا يوجد تخطيط قلب


أحياناً ساعة قد تختصر يوماً كاملاً، وهذا ما أظن أنه حصل اليوم، قبل ساعة من الآن اتصلت والدتي بأن أخرج معها لمشوار "مستعجل"، حين حضرت البيت تبين أنها بحاجة للذهاب للمشفى لإجراء تخطيط قلب نظراً لحصول تسارع، ذهبنا بسرعه انتظرنا في قاعة الطوارئ مع الجثة المرفقة صورتها، بدى عليها التوتر  قالت بأن بإمكانهم أن يضعو الجثة في الثلاجة أو مكان آخر بعيداً عن هنا! انتظرنا الفحوصات وجاء بعد الممرض طبيب في العشيرينات من عمره أحضر حقنة، طلب منها الكشف عن الوريد ولا بد منها لانتظام ضربات القلب! أوقفته أمي وقالت أنها لا تحتاج لها طالما أنها تتناول علاج منظم لضربات القلب، حاولت عبر عدة أسئلة معرفة نوع الحقنة فابتسم وانسحب من المكان عائداً مع طبيب أكبر منه سناً ويرتدي تي-شيرت برتقالي، حاول الاستفسار عن طبيعة العلاج الذي تتناوله والطبيب التي تتابع لديه واسبب من قدومها للمستشفى، أجابته بأنها تحتاج لتخطيط القلب لمراجعة الطبيب بعد زيارة المستشفى كالمعتاد في حال حصول طارئ على حالتها، نزع اللاصقات المتصلة بجهاز تخطيط القلب وخرج لطاولة الاستقبال، خرجنا خلفه وطلبنا التخطيط فرد قائلاً "ما في تخطيط، ما عندك أي مشكلة، ممكن طبيبك يعملك تخطيط!" انتهى.

خلال مكوثنا في غرفة الطوارئ لم نجد أي أحد قرب الجثة اصغيرة على السرير المقابل فقط الملابس الممزقة في السلة، لم يوجد تبريد، وكانت ذبابة تحاول الدخول من تحت الغطاء، ربما من البديهي انتقاء النقطة السابقة لكن ما المبرر لمعاملة طبيب لمريضة بهذا الشكل؟ ولماذا يقو بأنها سليمة تماماً طالما حاول أن يعالجها بحقنة؟! وما مكونات الحقنة؟ أليس من حق المريض المعرفة؟

كما رأينا الموت رأينا طفلة حديثة الولادة في سيارة العودة، ولكي نرجع للواقع الواقع مررنا على جلسة نسائية، قالت فتاة أن "فكّت عينها" ! وحسب التوضيح حين يظهر في عين أحد "الشحاذ" يحضر كسرة خبز من أحد الجيران "أي شخص المهم ليس من العائلة" يحرق ويتم تكحيل العين به ويختفي "الشحاذ".
ساعة واحدة كفيلة بأن نبني القلعة حول أنفسنا ووندعوا ألف مرة ألا نصاب بأي علّة أو حاجة أو سبب للخروج أو حتى الاختلاط حتى حين.




السبت، 10 أكتوبر 2015

لا بد أنها الأشباح


الليلة بلا قمر وما زلت أرابط في المكان المعتاد، أيضاً الليلة الرياح قوية، سمعت صوت احتكاك جسم بالأرض مرتين، ربما شخص ما، بعد المرة الأولى فكرت في أكثر من احتمال، قد يكون جارنا وزوجته! ترى متى صعدوا للسطح وكيف لم أرهم أو أسمع شيء؟ لماذا لا يكون أخي الذي تسلل من خلف خزانات المياه ليمازحني في إحدى المرات وكاد أن يتسبب بنوبة قلبية، ربما قطة؟ ليس لدينا قطط في البناية أصلاً! الصوت يتكرر، اعتدلت فوراً في جلستي وتفحصت المكان، الرياح قوية، الغسيل يكاد أن يحلّق في الهواء، الأشجار ترقص على صوت "بحيرة البجع"! لا يوجد صوت مسموع لكن الإيقاع واضح جداً ! 


مجرد فكرة وجود شخص ما هنا قد تكون مخيفة، الحل الوحيد هو استدعاء أحدهم لنثبت الفرضية ونرتاح، يوجد أشباح هنا، بالذات خلف خزانات المياه بجوار حبال الغسيل، هناك تقع الجلبة كلها. شبح لفتى ارتقى في مواجهات في عالم مواز ربما، لدي إيمان راسخ بأن الأشباح إن وجدت لن تكون مؤذية، جل ما تبغاه أن تؤنس وحشتها فقط، وأنا لا أمانع، لست بصدد إثبات وجود الأشباح من عدمه، المهم أن شبح الفتى في المكان، وجود شبح أهون بألف مرة من وجود إنسان، وجود أحد من أبناء جلدتنا هنا يعني إرباك مضاعف وخروج عن بروتوكول العزلة، بعكس الأشباح طبعاً، الصوت يتكرر، إنه الشبح لا بأس.
في الأعلى تحجب السماء كتلة ثلاثية من غيوم مستعجلة، تدع المجال لي للتفكير بأمور مشابهة على الأرض هنا، الرياح تصفر وقد صنعت بيدي صدفة سمعت صوتاً مضاعفاً والأمر ممتع بكل الأحوال، وراء الغيوم توجد غابة من النجوم، بعد التدقيق لا تبدوا السماء سوداء، يوجد عدد هائل من النجوم، ثلاثة أو خمسة بضوء أقوى ويبدأ التدرج باللمعان حتى  الاختفاء.
لا تنتهي الأمور دائماً كما نرغب، دون صوت أو حركة كما توقعت، ضربة من وسادة اسفنجية من أعلى "ليش نايمة!" مهند لا يمكن أن يكون شبحاً.

لنكن واقعيين قليلاً إن لتدوين اليوميات ميزات جيدة، خصوصاً للمدون، وكأن أيام العمر لا تسقط كلها، بعضها تثبت بمسامير ربما، أعيد ربما، كذلك ليس بالضرورة أن تكون الصورة كما ينقل، لأنه ينقل ما يريد وكما يريد، فلا يظنن أحد أن للقارئ سلطة هنا، وهذا قد يشكل حافز للكتابة بكل الأحوال. تختلف الأهداف وكثر يكتبون، الدوافع مختلفة والنتائج كذلك، ما الفائدة مثلاً من نص رديء منتشر، أو نص جيد أيضاً منتشر ولكن جمهوره من القشور! لا يمكن الحسم لأن موضوع الكتابة هلاميّ بامتياز، ولا أظن أن تشيكوف مثلاً كان يكتب للمال فقط، الرجل أخرج أفضل ماعنده بالنهاية. كثيراً أسأل نفسي هل كتابتي جيدة؟ تكثر التعليقات والملاحظات ممن أقابل في الحياة الواقعية ويكونون قد صادفوا إحدى التدوينات، لأكون صريحة صديقتي أمل الوحيدة التي آخذها على محمل الجد ولكن ليس تماماً، إنها تحلل النص من تسلسل وأفكار وأسلوب وفكرة عامة، يهمني دائماً أن أعرف ماذا ترى هي، في التدوينة الأخيرة التي تتحدث عن الزواج، كنت صادقة تماماً حين قلت لها أنني مطمئنة لصحتي العقلية خصوصاً بعدما قرأت تعقيبها الكامل، يتبين لي هنا ربما أنني لا أكتب إلا لأرى ماذا لديّ، أعود لسؤالي، هل أكتب جيداً؟ إن حاولت مقارنة كتابتي بأول مرة كتبت فيها والقصة التي فازت بأول مسابقة أخوضها، فأنا أكتب جيد جداً، لكن مقارنة بالكثير، كتابتي متواضعة جداً وأهم ما في الأمر أنها تعبر عن بيسان الأخرى التي تخجل مني، وإنّي وإن كنت باطنياً أريد أن أكتب مثل فلان أو فلان، لذلك أقرأ نفس النص لحسين البرغوثي أو غسان كنفاني خمس مرات ولا أصل ولعلّي أصل.
إذن انقطعت عن الكتابة طويلاً وليس هناك ما يكتب، أصبحت لديّ عقدة التدوين، قبيل النوم أكتب تدوينة عبر الإنترنت الافتراضي أكبس على زر "نشر" وأنام، لاشك أن الإنتقال أثّر عليّ وحاولت جهدي أن أحصل على إلهام واحد في أول شهر ولم أستطع، لا يهم إن كنت أكتب أو لا، المهم الإشارات من وراء ذلك، في المحاضرات أدون الكثير من الملاحظات لكن لايمكن أن تكون على شاكلة التدوين ولو أنها ليست من صميم المادة العلمية مباشرة.
كل المؤشرات والاقتراحات الداخلية تشير إلى الداخل أكثر، ومن يدري؟! على الأقل سيكون سؤال المرحلة (لماذا الكتابة؟).




الاثنين، 28 سبتمبر 2015

العروس


قبل فترة وجيزة كنت مضطرة لمجاملة فتاة تزوجت حديثاً، تطلب الأمر زيارة خاصة بما أنني لا اطيق حضور حفلات الزواج، الفتاة ليست معروفة في المحيط بالقدر الكافي، لا أقصد التقليل من قدرها ولكن خلق الله الناس قدرات، هي خلقت بمعدل دراسي لا يصل ل 75% وقدرات محدودة على نطاق السمع والنطق أحياناً ولكن لمن يركز فقط. لو لم تكن عزيزة على قلبي لما زرتها، الزيارة التي الرسمية الأولى بيننا، هي دائماً تخشى الخوض في الحوارات ولا تجد ما تقول، تتعلل دائماً بأن ليس لها في السياسة والهراء، لكن تستطيع التعقيب في أمور مثل السافرات في غزة، وكيف يمكن أن تخرج فتاة متبرجة، أو كيف ممكن لفتاة أن تلبس جينز وتخرج في الشارع، هي ورفقتها مصرات أن الله لا يقبل صلاة أي متبرجة أو سافرة أو حلوى مكشوفة، في الأمسيات الحميمة كنا نجلس ونسمع قصص عجيبة، مثلاً تلبس الجن بإنسان وزواجه منه، وذكرياتنا مع الاجتياحات، آخر صرعات الموضة، الأغاني الجديدة في السوق، وطبعاً أكثر المواضيع إثارة قصص الرعب من خطف وقتل وزواج قسري وأشياء مشابهة ولا ننسى بكل تأكيد عذاب القبر والقصص المنقولة بالتواتر عن فتيات لا نعرفهن مثلاً أفاعي تأكل الجثث، وكيف يتحول القبر جنة وهناك شهور، يأكدن حقاً هناك شهود "على ذمة المصدر المجهول". 

أجزم أنها لم تتسائل عن ماهية وجودها وماذا الآن بعد الثانوية والجامعة، هناك حيث لاينفرد الإنسان بنفسه، يبدوا الكلام مبتذل قليلاً لكن حقيقي جداً. يوجد عادات معينة متبعة خلف الأبواب المغلقة خاصة بالنساء فقط، العروس في شهرها الأول تبقى متبرجة أغلب الوقت، ويتم التعامل معها وكأنها ولية عهد مملكة ما لفترة معينة، تمتلك امتياز على قريناتها والنساء الأخريات، كانت ترتدي فستان غريب غير مناسب لجلسة عادية، كان معي أطفال شعروا بالحرج قليلاً، أبقوا أنظارهم على الأرض لكن تقدمت وانخفضت لتداعبهم وتطمئن على أحوالهم، ما زادهم خجلاً وإعراضاً، اعتدلت في جلستها وعادت للخلف، لا لم تعتدل تماماً، لم أكن مرتاحة ومعنا كثيرات، يغازلنها وكأنه تحرش عام، وهي تتلقى المجاملات الحساسة بسعادة بالغة بادية عبر ما يسمى بلغة الجسد، عملت كل جهدي لأجد موضوعاً نتحدث فيه، كأن كل العالم لحظتها تلخص بجمال العروس والزهور التي تتفتح في وجهها، كذلك حال الأخيرات من لم يحضرن للعرس بسبب الغيرة غالباً أو خلافات سابقة، والحديث عن اللواتي حضرن ورقصن وقمن بالواجب وزيادة، ثم أخيراً جولة حول حال المتزوجات في المنطقة ومن وضعن حملهن واللواتي ما زلن يحملن، ثم لا نعرف كيف أتى ذكر المطلقة حديثة، يشارك الجميع تعليقات يملؤها الأسف والشفقة، نشرب العصير ثم الشاي وتنتهي الزيارة، أحضان وقبلات باردة والسلام.
لدى المعتادين على حفلات الزواج والزيارات أمر طبيعي، أنا لم أنسجم هذي المرة ولا أظنها ستتكرر. طالما حيرتني النظرة أو الفكرة التي يرونني بها، أتذكر حين سألت أمي أم تلك الفتاة عن جارة ابنتها، فصدمتني الإجابة "لا تتحدث كثيراً، غلبانة، في حالها، زي بنتك !" أول رد جاء مني "أحا !!! هذي السيدة لا تعرف كيف تفك الخط ولا تعرفني كيف تقول عني هذا؟!!!" 
المهم أمر هؤلاء القوم محير جداً، بصراحة يعجبني إيمانهم المطلق بما يفعلون ويصدقون ويقولون، موضوع الحلال والحرام لديهم مرتبط بالغريزة ولو يعلم أحد تلك البقعة السوداء في تاريخ الإنسان يعرف ماذا أقصد، حتى الأشياء التي تحدث بشكل عفوي وطبيعي مرتبطة بالغريزة بشكل مباشر، كل شيء يحصل بالبركة وكما كان ويكون وسيكون، يعني مثلاً ما غرض الأنثى إذ ترقص بالشكل المثير وسط الإناث، وما علاقته بالحروب الباردة بين العائلات، أعرف أن الأفق هنا محدود ومعلومة حدوده لكن لا أستطيع لمسها إطلاقاً، ولا أستطيع حتى اللحظة حضور حفل زفاق واحد.

حفلات الزفاف فضائية بالكامل، تشعرني بالدوار وأرى مشهد ساخن لنار مشتعلة وسط القرية يدور حولها هنود حمر يلبسون تنانير قصيرة من ورق الشجر ويصرخون بكلمات غير مفهومة، كل شيء يسري بسرعة والكيمياء تتحكم بالقرارات، الكل مستعد للتجهيزات ولو اضطر للدين، تدريبات مكثفة من رقص وأغاني وحركات، ناهيك عن الاستعداد النفسي، عشرات المواقع الإلكترونية، والخلطات والعلاجات والملابس، أخجل من تشبيه الموضوع بتجارة ما، لكن صدقاً الأمر اقتصادي بحت، هناك عبء اقتصادي ينتقل من موقع لآخر، المشكلة أن العبء يزيد لاحقاً وأن الحل فعلا مؤقت، اتساءل عن مفهوم التطور والحضارة ومفوم الإنسان البدائي أو الإنسان الأول وكم يشكل منا بالمئة، وإن كان الإنسان فعلاً جهاز استقبال وإرسال، إن أزحت الستار عن المادة تجاوبت المادة، وإن كتمتها قليلاً تفعل الجانب الأثيري، في النهاية ما زلت أتسائل عن أصل نشوء الرقص.