الجمعة، 25 أبريل 2014

التدوينة

الصورة قد تحمل رسالة بلا شك :) 

هذي التدوينة خفيفة لطيفة، خيالية، غير موضوعية وغير محايدة، والأحداث الواردة بها قد تكون خيالية، آه والتدوينة ليست للجادين جداً في الحياة، ولا للعايشين في الشقة اللي قبالهم.


أهــــلاً وســــهــــلاً بــــكــــم فــــي تـــــدويــــنــــة "الــــتـــــدويـــــنـــة"


قبل أن أبدأ بتدوين مدونة لي لأتذكر ما فيها لاحقاً، أحاول تذكر ما حصل مؤخراً أغلب الأحداث التي لا أرغب بنسيانها. بنسيانها، نسى ينسى نسيان ! ؟نسيان" اسم رواية لأحلام مستغانمي، لكني لم أقرأها ابداً ربما لأنني أعرف سلفاً أنها لن تناسب لذوقي في القراءة، أظن.


لا يمكن أن أكثر من الشجن المبتذل لأعبر عن الحالة المرافقة لهذي الأيام، مؤخراً بدأت تهل مفاجآت، أحداث، وصدف كثيرة، لذلك من الظلم أن أحكم بسوداوية، أستطيع أن أرى الجيد والكئيب معاً.


قبل عدة أيام، بينما أجلس في الباص بينما حولي الكثير من المنقبات، بالمناسبة الساعة الثالثة تقريباً تمتلئ الباصات بهن، لأنهن غالباً إن لم يكن لديهن محاضرات، يبقين في المصلى لدروس وندوات واجتماعات إلى نهاية الدوام. المهم أنني حاولت، الطريف أنني اتحدث عنـ"ـهنَّ" وقد كنتُ يوماً منــ"ـهنَّ" (مضحك مثير للاستغراب)، الأهم أنني نسيت ما يسمى "بلوتوث" متاحاً لحظتها عندما انطلق الباص، حاول أحد الأجهزة النقالة الاتصال بي، يبدو أنه ملف، تبعه ملف وملف وملف، ملفات كثيرة أرسلت لي "أميرة بكلمتي" ! كلها كانت صور لأطفال مع أدعية ومنشورات مصورة عن فوائد الصلاة، الزكاة، والكلمة الطيبة، واضح جدا أنها إحدى المنقبات حولي، تقريباً اعرف أكثر من نصفهن ويعرفنني جيداً، كان يجب عليّ أن أنصب فخاً لكي أكتشف من هي "أميرة بكلمتي"، فأرسلت لها عبر "بلوتوث" أيضاً أغنية دينية، واحدة فقط من رفعت هاتفها نحو اذنها وبدأت تسمع، وأنغام انشودتي تصلني، عرفتها وكان ظني في محلي، موقف طريف ولذيذ، تقدمت باتجاهها، وأخبرتها :انا "دينا" في البلوتوث، عرفت اسمها الحقيقي، ورأيت غبطة كبيرة تتسلل إليها، هل لأنها عرفت شخص جديد؟ أم لأنها عرفت الفتاة المجهولة التي كانت تراسلها عبر بلوتوث، أم أنها شعرت بعظمة ما أنجزت بانها أرسلت لي رسائل دعوية ربما أثرت فيَّ أنا التي ألبس جلباب أقصر منها بشبرين تقريباً وألبس شالة فيها الكثير من الأحمر والورد، بعكسها كانت ترتدي أسود طاهر من كل الألوان والأشكال؟؟


ما عليكم، إحداهنّ تلفظ كلمة "تركواز" بشكل عجيب، حتى أنني تصيبني تقلصات فظيعة في جسدي حين أسمعها! لا أقصد السخرية من أحد، ولكن لا استطيع نسيان طريقتها في الكلام، التكلف جلي واضح مفضوح مكشوف، لماذا لا تكون طبيعية سترتاح بالتأكيد، وتريحنا معها.


أول شيء فكرت فيه حين قرر الامتحان أن يبدأ، هل من المنطق أن أجيب بكل جدية على امتحان لا يعلوا عن كونه تسلية أطفال؟ فعلاً كانت الأسئلة سطحية غريبة، تريد أن تختبرنا في القواعد الكتابية، رغبت بالضحك لكن الجدية حينها اكتست وجوه الجميع، والغش ممنوع أيضاً، توكلنا على الله، وجاوبنا أخيراً، أثناء إجابتي وجدت أن الكرسي مُزَيَّت حديثاً فكأنما طلب مني أن امسح فوق حديده برفق، وفعلت، كان كرسي لطيف تحمل هذا الامتحان الطفولي بسعة صدر، جاوبت بكل ذمة وصدق، وسلمت الورقة بعد انتهاء الورقة، لأنني اتخذت الورقة لوحة خاصة لمدة ساعة، ولا داعي لذكر الشق الثاني من الامتحان لدواعي الخصوصية، ولكنه كان محرج وطريف.


الأطرف أكثر هو سخرية القدر، حين يبين لي أنني لست سوبرمان، قد اخطئ في قراءة الوجوه، أو في التشبيه على الناس كما يقولون، وكأن صفحة من جزءٍ سابق يعود للصف السابع فُتحت، ورأيتها أمامي لم تتغير، كان شيء جميل يسكن في عينيها، شفافة أجزم وطيبة جداً، ربما لن ألتقي بها إلا في صدفة أخرى، وهذا ما أريد كي لا أفسد قدسية لقائي بها، كشخص مميز، ولست أبالغ هنا.


والأغرب هي الاسقاطات الفكرية التي يعرضها لي العقل الباطن على شكل أحلام، أشياء مخيفة ولكن ما باليد حيلة، إن كان الباطني مبرمج فالخارجي مبرمج، ويجب عليهما الاثنان أن يتفقا سوياً لن يتنازل واحد للآخر، فالأمر أصبح معقد جداً، كنت أظن سابقاً اللوحات الإلكترونية ووصلات الأسلاك معقدة، لكن حين حاولت أن أتكلم عن الطريقة التي انظم بها أفكاري، أو الطريقة التي أربط بها الحقائق سوياً، أو حتى وصف طريقة تفكيري، بدا أنه الأمر الأكثر تعقيداً في الحياة، أنا أرى الأشياء بغير ما أتكلم بها، أفهم بلغة أخرى، ليس بالضرورة أن أكلم نفسي ونفسي بالعربية أو الانجليزية، هناك لغة الرموز العقل بارع جدا بها، ويبدوا انه مستحيل المستحيلات أن تصفها أو تخرج بعضها للخارج، حتى أنني حين أفكر بالعقل الخارجي الذي يتصرف ويعيش مع الناس، لا يمكن أن أفسر طريقة عقلي بأسلوبي مع الناس.


أنا لست اينشتاين، ولا عبقرية، ولا ذكية حتى، ولست مضطرة لأكون شخصاً آخر، انسانة عادية تحاول أن تستخدم عقلها لأقصى حد، وتحاول بكل جهدها التغلب على الديسلكسيا التي تحط على عيني كفراشة حين ابدأ بالدراسة للامتحان، وليس من السهل أن تكون مراقباً لغريزة التبرير حين تبدأ بالحياد نحو الذات، هذي زلة لا تغتفر برأيي. طيب هل يعرف أحد كيف حال النجوم التي سنراها الليلة؟ لا بد وأنكم تعرفون أنها بعيدة لدرجة أن ضوئها الذي يصلنا، قد يعود لآلاف أو ملايين أو بلايين السنين!


ماذا عن أحلام اليقظة وعشرات ربما ألف سيناريو يقابل كل حادثة تمر، آخذة بعين الاعتبار نظرية الأكوان المتوازية، أحلام اليقظة التي تُقَطِّع حبل أفكاري إرباً إربا. أحاول كثيراً افتراض حدث ما حصل بنهايات مختلفة، أين تقع الأراضي المتشابهة التي تحدث كل نهاية مختلفة عليها؟؟


أما عن الآن لا أدري كم مرَّ علي من الوقت وأنا اكتب لكنها السابعة والثلث مساء جمعة الخامس والعشرين من إبريل، في العام الرابع عشر بعد الألفين، ربما اسم التدوينة جاء من وحي انتظار برنامج الليلة.

هذي التدوينة اهديها لصديقين شقيقين، أحدهما في غزة والشق الآخر بعيد في تركيا، سبيل التي جمعتني بها ذكريات لا تنسى رغم أنني  أحاول نسيانها ولن أكتبها، لكن بينت أنها تستحق أن تكون، كما جمعنا التخصص ذاته وفرقتنا الجامعة، جمعنا نوع القراءة ورغبات كثيرة وفرقنا المكان، أما الشق الآخر عبيدة هو صديق سبقت معرفتي به اخته، أتذكر منه محاولاته للتغريد بشكل طبيعي أثناء توجيهي، ثم الدعاء المكثف له ليسافر للدراسة، ثم الغربة التي بدأت تلتف حوله، والنصوص والعبر الجميلة التي بدأت تهب من هناك، لكما أهدي هذي التدوينة.

أطيب الأمنيات

بيسان

الجمعة، 18 أبريل 2014

قسمة ونصيب



النصيب

جرائم بالخفاء..


الطرق كثيرة لتحب شخصاً في غزة، ولكن الخير بيّن والشر بيّن، هناك من أحب بصمت لكي يدق بابها حالما يكمل استعداداته ويجهز نفسه، وهناك من يتسلى باسم الحب. لا شك أن الفرق شاسع على الرغم من أنه غالباً ما يختلط الحابل بالنابل.

أحبها، أعلمها، ونوى أن يتقدم لطلب قلبها من ذويها، رُفض مراراً ولم يتخلَّ عن الفكرة. الفكرة هي أنه لن يرضى سواها شريكةُ لحياته، الوالد متمسك بموقفه الرافض للشاب، ألا يذكركم بقيس بن الملوح؟! لا تشغلوا بالكم فالموضوع لم يعد بذلك الصدى كما كان سابقاً حين يجن أحدهم بإحداهن ويمنعه البشر من حلمه.

أما هي فأسرَّت أمنياتها وأرادته سرّاً، ما لبث أن تغير مجرى الأمور لاحقاً، تقدم آخر لطلب يدها من أهلها، ما كان منهم إلا أن رحبوا لما عرف عنه من طيب سمعته وعمله.

أوشك الأمر أن يتم في اليوم الذي سيتسلّم ذويها فيه المهر، لكن قبل النهار جاء الشقي ليلاً للشاب الجديد، راجياً إياه أن يتراجع عن خطوته، مدّعياً حبها وأنه من يريد الزواج منها. هذا الحديث كفيل بأن يقلب الأمور رأساً على عقب ويغير مجرى الأحداث وهذا ما حصل فعلا، حين أبلغ الشاب الجديد أهلها بما حصل، وطلب التأكد من الفتاة التي بدورها أكدت أنها تحب ذلك الشقي وتريد الزواج منه، ولكن والدها يحول دون ذلك.


لاحقاً ظللت الشاب الجديد غيمة من خيبة أمل، وانسحب هو وأهله بطلبهم، وألغيت كل المراسم المعد لها مسبقاً. حتى يتحرك الوالد ويحسم أمره من يعلم كيف ضغط على ابنته، من يعلم كيف اقنعها، من يعلم من الذي أقنعها، ولماذا انخفضت قيمة المهر المتفق عليه في أول مرة عن المرة الثانية، ومن يعلم حال الشقي الآن، لتتم المراسم بصمت وليعقد قران الفتاة على الشاب الجديد. وهل هي اختارت ان تدفن حلمها بيديها، وقد أحبت الجديد وعلمت أنها ستكون سعيدة معه؟! سؤال يحيرني حتى اللحظة.


في عتمة الكشّاف أو الشمعة تجلس على الفرشة والدتها وقريباتها، ويقلن: إنه النصيب !! إذا أتى فلا مفرّ منه، رتِّب ما شئت، أحب ما شئت، لكن ستتزوج نصيبك في النهاية، هكذا هي الحياة. ربما تقتنع الفتاة فالسيدات الكبيرات يتحدثن بإيمان مطلق وكأن كلامهنّ من مسلّمات الحياة.
-         شفتي يا بنتي؟! هادا نصيبك اجا لعندك اقنعي فيه واسكتي، شفتي وين وداكي الهبل وقصص المجلات!


النصيب، ما هو النصيب؟
النصيب يشبه اليناصيب، قرعة القدر يجريها ويختار، فلان لفعلانة وعلّان لعلّانة، وإن أحب فلان علّانة فهذا انقلاب على قوانين الكون.
برأي إحدى السيدات المعمّرات في المخيم، "
النصيب بيصير لما يجي الشب والتاني والتالت وما يصيرش نصيب، لكن لما ييجي الشب الموعود الدنيا بتتسهل ما بتعرفي كيف، وبتزوجوا. هيك نصيب! ".


يرى بعض الشباب أن النصيب هو الزواج ممن تحب، والكهل الذي يفترش الرصيف يرى النصيب:
"اخو الحظ، اقلك لأ النصيب هو الحظ، مكنتش عارف اني بدي اتزوج أم أحمد، كانت امي في البلاد بدها تزوجني مريم بنت الصوّافة، النصيب يا بنتي لمّا واحنا مهاجرين في ال48 من قريتنا، طاحت مريم بنت الصوّافة ع وجهها ومن يومها بطلت مريم المليحة الحلوة، شايفة النصيب! لو اخذت مريم كان ظلو يعايروني فيها!"


لكن بالنسبة لي، بقيت الأسئلة معلقة: ما هو النصيب؟ وهل للنصيب أن يقتل أحلاماً كان يمكن أن تبني نواة سعيدة في بيت ما؟ تلك الفتاة التي اصبحت على ذمة الشاب الجديد، هل ستحبه؟ وما موقفها من الشقي "الأولاني"؟ هل ستجلس بينها وبين حالها يوماً ما في المستقبل وتفكر ماذا لو تزوجت من أحببت وأحبني؟ هل يمكنها أن تحيا مع الرجل الجديد دون مشاعر؟ هل النصيب يسعدنا دائماً؟


"تمت برجعة الكهرباء" 9:53م 18/4/14


الأحد، 13 أبريل 2014

هلوسة | مع من أجلس؟




مع من أجلس؟

هل حقا أنا ابحث عن المثالية أم لا؟

  في جو جميل يرغب كل منا بمشاركته مع المقربين في جو مميز، لكن كثيراً ما حاولت محاكاة الأمر في عقلي، مع العائلة تشعر بغربة أمام البحر، وكأنه الوقت الذي يتطلب عليه البقاء فيه مع نفسك، ثم مع الصديقات هناك شيء كبير ناقص، حتى حين افترضت في خيالي شخص تحبه بيسان تجلس معه أمام البحر لكن ما زال هناك شيء ناقص وكأن المكان تنقصه أرواح كثيرة ستملأه بالبهجة إن كانت هنا، هذا الأمر مزعج بحق، فحين تتمنى من أحد مشاركتك في فرحة عظيمة تلك الحاجة الماسة للصراخ والضحك والرقص لأنك حصلت على مكافأة لم تتوقعها، أو حققت إنجاز عظيم  لا يوجد شيء يحصل على أرض الواقع كما يجب، وهذا مرهق جداً.

وما تزال منذ سنين كالقطة تدور حول نفسها محاولة إمساك ذيلها، لا يمكنك إمساك الحلقة المفقودة، حتى في خيالي لا يوجد شيء كما أريد، ولا زلت أحاول معرفة نوع الحلقة المفقودة، حقيقة الوحدة شيء جميل للغاية حين تعطي نفسك الحق بالاستمتاع بأغنية وصوت ومكان كالبحر الآن، لكن ماذا لو كان هناك، ربما ما ينقص فقط هو أن أكون لوحدي دون أن افكر بأن أحد ما قد يزعج هذا السكون والجمال.

كما أدين بالاعتذار لصديقة تكن لي حب عظيم جداً، لأنني حقاً لا أشعر بأنني اصدر تلك الكمية المهولة من الحب، أشعر فقط بالموت يسري في جسدي، والحقيقة لا أشعر بالمشاركة الحقيقة لكثير من الأشياء، وأنا حقاً أجيد فن المجاملة وهذا ما لا أحبه، لكن إن كنت صريحة تماماً لن أجد أحد حول أعماق وحدتي المخيفة وأنا أريد الجميع، لأن أعماق وحدتي فظيعة موحشة ومخيفة وانا أحتمي بهم، أعلم أن الحل هو أن أمسك العصا من النصف، لكن لا يمكن أن استمر بالنفاق في أي حال، لأنني لن اغفر لنفسي حينها. ولا يمكن أن اضحي بنفسي مقابل القبول الاجتماعي. رغم أنني احترم  صديقتي جداً وأحبها لكن أجد قلبي عازفاً عن العطاء، كما أن تجربة الكلام متعبة جداً تهز داخلي بعف وتخيف الطفل الموجود بالداخل، لأنني وأنا وذاتي ونفسي بحاجة للخصوصية ولا يمكن أن أشارك ما حصل معي أو ما أفكر فيه وما أنوي فعله مع الآخرين لأنه شأني فقط، ماذا يستفيدون حين يعلمون أنواع الفاكهة التي أفضلها، أو الموسيقى المفضلة أو كيف أحب مشروباتي، حتى البرامج المفضلة التي أتابعها، وعادات أهلي في البيت، لكن لا يوجد سوى هذي الاحاديث، وأجد الكثيرين مندمجين فيها لأقصى حد وأنا آخر شخص قد يقبل بمشاركة مفضلات في حديث مفتوح كجلسة نقاش أثناء الفراغ.

أما عن الوطن فمن ذا الذي يملك الحق بتقييم وطنيتي وما يعني انتمائي لأرضي، صحيح أن الوطن يوحدنا، لكن علاقتي بالوطن غير قابلة للمقارنة مع غيري من حيث افضل أو أكثر من غيري أقل أو أسوأ، فكلنا نحب أو نكره بطريقتنا وبإرادتنا، والانتماء لأرض أو لمجتمع هو حاجة بشرية ماسة.

ثم هل يشعر أحد بي حين أشاهد منشور عن الأسرى، هل يجب ان أشارك لوعتي مع الناس، وأنا لا أقوى أصلاً على نشر أمر معهم، إلا وأشعر بتقصير نفسي، وما أفعله إن نشرت لا يكفر عني شيئاً إنما يضع قلبي في سيخ شواء فوق الفحم. كلنا نعبر عن ولاءنا للوطن وصناعه بطريقتنا الخاصة، وربما صلاة في جوف الليل أفضل من ألف منشور ومظاهرة. وربما درس ألقيه أو ورقة انتجها تفيد، وربما أيضاً مشاركتك البسمة مع الآخرين أفضل دليل على أنك مواطن صالح، الابتسامة قد تكون أكبر سلاح في وجه الاكتئاب والضياع والبطالة والموت، الوطن يا عزيزي لنا جميعاً، ليس لك فقط.

بينما أكتب في الباص واستمع لفيروز، مررت أمام جامعتي في الجنوب، وكأن مبنى H يحييني ويقول " أنتِ من جديد!" نعم أنا يا عزيزي، التعود حقيقة يصنع التآلف كما بيني وبين المبنى والجامعة، وقد أسميه حب لكن مع بعض الملاحظات، حتى المزارع المحيطة تعرفني والسوافي وأفتقد الكلاب الشاردة التي تكون هنا صباحاً.
ألا يمل هؤلاء الناس من الشمس؟ شاهدت هذي الأشجار على مدار العام، كم من ثوب كساها وكم غيرت من شكلها، مرة شاحبة ومرة خضراء رطبة، تكون في أجمل منظر بعد الشتا "فصل الحب". بالفعل مكان جميل كهذا من المعيب أن تسبب المخاوف قلة الزيارة إليه بمعنى انه مكان خالي وقد تحدث هنا سرقات أو خطف أو غيرها، ليس هنا فقط فهذا هو السبب الرئيس لبقاء أغلب الأماكن الأثرية مهجورة من المحليين في العراق، ومصر والسعودية.. ألا يمكنك أن تجدي مكاناً آخر سيدة جريمة ؟؟؟!

فيروز تغني الآن عن الحبيب، ترى لأجل من قد أغنيها، أو هل يمكن أن يكون لهذي الأغنية المعنى والاحساس العالي في لحظة ما؟! غالبا لا بنظري ..

بهذي اللحظة أشعر بنار تستعير بداخلي بعقلي وقلبي مع تركيز الشمس فوق رؤوسنا.. فيروز تعد ملطف جيد للأجواء .. هل من الطبيعي أن يعيش الانسان جنته على الأرض ويشعر بالرضا عن الحياة والأوضاع مستقرة حوله، ولا موت ولا بشاعة في الاجواء ولا بطالة ولا كساد بكل أنواعه وصولاً للكساد الروحي والاجتماعي؟؟
إن كان الطبيعي أن يعيش الانسان جنته هنا، لا بد أن نحاسب بأثر رجعي على كل ما فاتنا من حياة على هذي الأرض ؟؟ لست مكتئبة ابداً أنا احاول الوصول لأكبر قدر من السعادة وامسك بكل ما تطاله يداي، ولست افضل أو اقل من الناس هنا.

وهل من الطبيعي أن افتقد الكثير من الناس في هذا المقام؟ الصديقات والاصدقاء والناس الذين أعرفهم حتى معرفة سطحية، هناك اشخاص اتمنى بشغف ان أعرفهم عن قرب. ما سبب كل هذي الرغبات يا ترى؟!

ولماذا تغني إليسا عن الفراق دائماً؟ أجزم بأن أغانيها هي سبب فشلها العاطفي في التمسك بعلاقة واحدة طويلة الأجل، وهل تشعر الأزهار المتوردة في حديقة شبه مهملة بالفخر والغرور بين الأخريات؟ هل الظلم يقع هنا أيضاً؟ ما أشد غرور الانسان، نحن لا نقدر علاقتنا بالأشياء، وتربطنا المصلحة بكل شيء حتى القطة الصغيرة التي اعتدت أن تطعمها قد تحرمها من الطعام لأنها لم تفعل الحركة التي علمتها إياها امام الضيوف.

ولا يوجد ضير في اغتنام الفرص لتفعل شيئا جيداً، فالتغيير جائز في كل لحظة، اشياء كثيرة تنتظر منك ردة فعل على الاقل تجاهها، لكن هنا الأغلب متبلدون في الاحساس والفهم والفعل. الطفل الذي يبكي على الرصيف مثلا ينتظر منك أن تسأل عن سبب بكاءه ربما ضائع أو واقع وهو يجري، او صدمته سيارة بالخطأ، أو حتى ضربه أحد الاولاد، والرجل الحزين المكتئب ويشكو من ضيق العيش ومتطلبات الحياة التي لا تنتهي وخيبة أمله من تحقيق كل أماني لأطفاله، ينتظر منك ابتسامة لأنها تنعش الروح ولو للحظات، والفتاة التي تسير بالشارع لا تعلم لأي حد قد تكون معرضة لظلم وكبت وقمع، وتحاول تقييم شكلها ولا تغفر جهلها الذي هو واقع مفروض عليها غالباً، ثم تأتي لتقيم الجمال الذي لم يكن بيدها، جسدها وشكلها لأن ليسوا من  شأنك، كما أنه ليس شأن الناس أن يتدخلوا في شكلك .


وصلت سأنزل الآن ,,  J


الثلاثاء، 8 أبريل 2014

حين كنت صغيرة




لكل منا في طفولته تصورات عن عالم الكبار، قد تكون فقاعات صابونية، ما تلبث أن تنفجر في وجهك حين تكبر، بعضها مرت أمامي الليلة، بالمناسبة هذي ليلة الثامن من إبريل في السنة الرابعة عشر بعد الألفين، والساعة هي التاسعة المفضلة لي وخمس وأربعون دقيقة مساءً.

حين كنت صغيرة أردت أن أكبر لأنني كنت أظن أن للكبار في كل قرار وموقف جرئ عنيف حكمة كبيرة وتبين انهم يتسرعون ويخطئون ويتعصبون لآراء ما أنزل الله بها من سلطان.

حين كنت صغيرة أردت أن أصبح فتاة جامعية ناضجة لكي أتحدث بطلاقة المتعلمات وأتناقش برقي نادر وملفت، ولكن تبين أن أغلب الأحاديث بينهن تتحدث إما عن الارتباط أو آخر أخبار الفن في الساحة.

حين كنت صغيرة أردت أن أكون فتاة ثانوية حساسة وذكية، وتبين أن فتيات الثانوية هن الأكثر حساسية واكتئاباً واضطراباً على الكوكب.

حين كنت صغيرة أردت أن أتخلص من النوم على الفرشة والدوار الهائل الذي أشعر به حين استيقظ، بسرير لكي اشعر بالأبهة والفخر والاستقرار ولكن حين كبرت وجدت الأرض أكثر دفئاً من كل الأسرة.

حين كنت صغيرة كان أكبر مخاوفي الشبح الأبيض الذي يأتي من اشعاع مصباح النيون، ومن لص غريب قد يأتي للبيت ليلاً ويشاهد طفلة ما تزال مستيقظة ومستغرقة بالتفكير بشكله ولماذا يسرق ومن أين أتى، ولماذا تظهر السرقة في هذ العالم.

حين كنت صغيرة كنت أظن كل العالم ينحصر في حارتي والحارات المجاورة، وأن كل القصة تكمن في المهارة في الاختباء وسرعة الركض حين نلعب المطارة، ولكن تبين أن الدنيا أكبر بكثير وأن هناك صواريخ وآليات أفظع يمكن أن تطاردك وقد تسبقك قبل الهرب إلى زقاق ما، وحتى يمكنها أن توقع الجدران فوق رأسك.

حين كنت صغيرة كنت أصاب بالرعب إن علم أحد بمعرفتي لبعض الألفاظ النابية الجديدة، وتبين أنني أصبحت جبانة كبيرة بعد سنوات.

حين كنت صغيرة كنت أسعد كثيرا بتبادل الزيارات بين العائلات، وتبين لاحقاً ان كل الأمور هي زيارات ترد وترد بالمقابل وتستمر الدائرة الاجتماعية.

حين كنت صغيرة كنت أشعر بالفخر حين يقول كبير بالسن عن العادات والتقاليد، وعن مقامات الناس حسب عائلاتهم وجنسهم، ولكن تبين أنهم كانوا يطبقون نظاماً عنصرياً فيه طحن وظلم للآخرين.

حين كنت صغيرة كنت أشعر بالانتماء الفكري والقومي والعائلي والمدني حين اسمع أن الآخرون سيئون والأفضل تجنبهم، ولكن تبين لاحقاً أنهم سيئون لأنهم مختلفون فقط.

حين كنت صغيرة كنت أظن الفتيات البالغات المختبئات خلف ستائر البيوت يملكن هيبة كبيرة وبهاء بمكانهم مختفيات عن أعين الجميع، ولا يخرجن للشارع، ويهربن حين يأتي ذكر للمكان، ولكن تبين أنهن محبوسات يشعرن بظلم وأسى كبير وكان هذا سر صمتهن الدائم.

حين كنت صغيرة كنت أظن السجن مكاناً عظيماً وكنت أظن أن أم الأسير "قريبنا" تشعر بالحظ لأن الجميع يشير إليها بالبنان هذي أم الأسير، وكنت استغرب جداً الدمعة التي تمسحها بطرف شالها الأبيض، لطالما ظننتها دموع الفرح والفخر، وتبين أن أم الأسير تقاسي لوعة بحجم عشر سماوات طباقاً، ولا يشعر بها إلاها.

حين كنت صغيرة كنت أظن أن في السجن أبطالاً يستعبدون العدو، ولم يشر لي أحد يوماً عن التعذيب وغياب الانسانية هناك، وعلمت لاحقاً أنني كنت طفلة محظوظة بهذا وإلا لحرمت من النوم أياماً كثيرة، وحين كبرت أصبح الأمر يؤرقني وأخاف جدا بل واشعر بالتقصير والخجل حين أحاول أن أظن أن بحديثي عنهم افعل شيئاً من الواجب.

حين كنت صغيرة كنت أظن المهرجانات الوطنية هي بطولات تدك دولة المحتل بكل دبة قدم أثناء الدبكة، ولكن تبين أننا نرقص فوق الأطلال، وأن الضحكات والشعارات ما هي إلا عويل وبكاء دون دموع لأنها جفت.

حين كنت صغيرة كنت اظن بزيادة عدد شهداء حارتنا عن العشرة لا بد وأن يتحرر شيء من الأرض فالقتلى في سبيل الوطن زادوا كثيرا، ولكن مرت السنوات ورحل معهم الآلاف وما زلت محتارة هل يبصقون علينا من اعلى أم يهتفون أم يبكون، هل يقولون عنا تعساء، أم يحاولون العودة والأبواب موصدة!

حين كنت صغيرة كنت أظن أن الذين يركبون الدبابات ذوي أنياب ومخالب وأنهم من مكان فيه متوحشون قد يأكلون لحوم البشر، ولكن تبين أنهم بشر مثلنا مثلهم وأن ورطتنا ورطتهم اولئك المدنيين والأطفال والمراهقين الذين ولدو في هذي الأرض التي لم تكن يوماً لأجدادهم، ولم يخبرهم أحد عن حالنا في المخيم، ولم يخبرهم أحد كيف يقفز سقف الاسبست حين يلقون قنابلهم الدفاعية، ولا كيف يموت الأطفال عندنا، ولا يعرفون لمن تلك البيوت التي يسكنونها، هل تعرف ابنة ذلك الجندي الذي صوب رشاشة إلى رأسي حين كان عمري اربع سنوات أن أباها فعل هذا بطفلة مثلها!

حين كنت صغيرة كنت أشعر بوجود تشوه خلقي فيّ، حين يطالبونني بألا البس الفساتين كثيراً لأنني بنت ويجب أن تتعلم الاحتشام باكراً وعدم لفت الانتباه، وكنت اشعر بالرضا لأنهم لا يعلقون حين أكون حافية ومتسخة وأتصرف بسوء كالأولاد تماماً، وتبين حين كبرت أن لدى الكثيرين تشوه فكري ونفسي.

حين كنت صغيرة كنت أظن الكبار دائماً محقون ويستحقون الطاعة ولو كان لنا وجهة نظر في الأمر، وتبين لاحقاً انهم مثلنا تماماً قد يتسرعون وقد يخطئون وقد يندمون ولكن الفرق أنهم أقوى منّا ولديهم سلطة علينا، ولا يمكن أن يتعاقبوا ويرغموا على تغيير سلوك ما إلا بطرقهم.

حين كنت صغيرة كنت أظن أن جدتي ستبقى هنا للأبد وستصد كل من يحاول أن يضايقني وسأمثل دوري دائماً ببراعة واختبئ خلفها وأبقى صامتة بعيون منكسرة ونظرة ضعيفة بريئة، ولكن قبل أن أكبر رحلت جدتي للسماء في موكب ملكي مهيب لأنها كانت من أطيب أهل الأرض.

حين كنت صغيرة كنت أظن الأمهات مرتاحات من ألم القلق على الأطفال خصوصاً إن كبروا وحين تنتهي من مواجهة الطفولة والمراهقة والبلوغ وثم الامومة، لا بد انها مرتاحة جداً ولا هم يشغلها، وكنت ألوم جدتي على هواجسها واسئلتها التي لا تنتهي على ابنائها بالغربة، والقلق والوجد والدموع الخجولة، وتبين نظرياً أن معها حق.

حين كنت صغيرة كنت أظن أن السلام أمر مهم وليس من الضروري أن افتعل مشاجرة من اجل الحصول على دور لمرة واحدة على المراجيح في الروضة، وكنت أوزانها بأشياء أخرى فالحصول على السلام وراحة البال افضل كثيرا من الخروج بغم ولعب لوحدك مقابل أن تحجز مربع الحجلة هذا المساء دون طعم الانتصار والمشاركة، وتبين أن الصراع مهم وأن مكانك يجب أن تأخذه، وأن دور الكثير من الأشياء أن تحول بينك وبين مكانك وحقك.

حين كنت صغيرة كنت في صراع دائم بين رغبتي في أن أكبر لأحصل على امتيازات كثيرة منها التقدير وزيادة المصروف والكلمة المسموعة بين الكبار، وبين أن أبقى صغيرة لأنني ما إن أكبر سيأتي ملكان يسجلان كل ما اقول لكي أحاسب لاحقاً، وقد احرق في النار بسبب فعلة ما، وأنا صغيرة لن أحاسب على شيء حتى ضرب بنت الجيران، والغش في الواجب في الحضانة، واخفاء العصا الخاصة بالمعلمة، وقطع أزهار بيت المديرة، كان كل هذا دافعاً لأنتهي من كل الأفعال الخاطئة التي يمكن ارتكابها، لكن تبين لاحقاً أن لكل عمر أعمال خاطئة قد تكون لذيذة وممتعة احياناً، وأن ليس كل الكبار يهتمون بالملاكين الذين يراقبان، حتى الشيوخ الذين كانوا يهددون ويتوعدون، لم يكونوا يخافون فعلا كما كنت اموت رعبا من فكرة جهنم، وإنما لكي يجعلوا الناس يطيعونهم كما قال أحدهم: بالخوف فالخوف سر الطاعة!

حين كنت صغيرة كنت أسمع لدرجة قد أعد الأنفاس في كل جملة يقولها أحد الكبار، لكي استطيع محاكاة اسلوبه وطريقة تفكيره لاحقاً، ولكن حين افعل هذا لم يكن أحد يلتفت لي مع أنني لم اكن اريد أن احصل على الثناء، فقط أريد أن يسمعون وأبدي رأيي فأنا لدي القدرة على التفكير مثلهم واغطي جوانب اخرى ربما لم يتطرقوا لها، لكن لم يسمع أو يرى أحد، وحين كبرت عرفت أنني لم يكن ينقصني شيء، إنما هم كان ينقصهم الكثير.

حين كنت صغيرة كنت أشعر بغضب عارم وغيرة شديدة حين أرى غيري يتباهى بلوحة الموناليزا، ما يجعلني حينها اقفز نحو ألواني ودفتر الرسم، محاولة بجهد أن أفعل مثلها، وتبين لاحقاً أن ليوناردو دافنشي شاهد الويلات السود في حياته وعمل الكثير ليتعلم وتجاوز آلاف الأميال، لكي يرسم الجيوكندا / الموناليزا.

حين كنت صغيرة كنت أتشبث بالحياة بكل الأشكال، لأنني أردت أن افعل كما يفعل الآخرون في حياتهم، فهناك من وصل لمئة عام، ومن العدل أن أعيش التجربة كاملة، وحين كبرت رويداً رويداً أصبحت الحياة أبخس ثمناً ولكن ما زال تقبل فكرة الموت الآن صعب جداً جداً.


ربما كنت محظوظة وسمعت بحكمة مفادها أن "ليس كل ما يلمع ذهباً" في صغري، ولكن رغم ذلك وفي كل الاحوال ما كانت لتفيد معرفتي، لأنني وبعد أن كبرت عرفت ما تعني، وهذا البعض من البحر الفائض..

الأربعاء، 19 مارس 2014

سأفقأ عين الوقت إن تجاوزني



التاسع عشر من مارس، في السنة الرابعة عشر بعد الألفين، بالتحديد أكثر الساعة التاسعة ودقيقة ابدأ، كل شيء في تلك الأرقام يوحي بالقداسة، رغم أني اليوم لم انظر للسماء ولا يهمني حقيقةً، تكفيني سماءي الخاصة، لن تجد سماء أخرى ملبدة ومعتمة أكثر منها، فلا داعي أن أرفع رأسي الآن.

في لحظة واحدة فطنت للكثير، الكثير كان يحيط بي وأنا أراه وفق نظرتي الخاصة، لم أرَ أن هناك عيون شرهة للناس تنتظر أن تفترس الضحية، حتى أنهم ليسوا أناس ولا يأنسون، وحوش  ربما، مَن المذنب ومن المسئول عن مجتمع يصنع المسوخ؟! "ليس الجميع بالطبع".


أمس الثلاثاء حين نزلت من الباص، تفاجأت من خفة حقيبتي، أدركت لاحقاً أنه كان ثقل الهموم ليس إلا، في لحظة نسيت كل شيء شعرت بأنني أخف من ريشة في الهواء، وحين أفكر وأعود للكهف تحط فوقي جبال أكبر من الجبل الجاثم فوق الكهف الصغير.


سعيدة بلحظات كثيرة أعيشها واسرقها من الحياة، لا أحد يقدر سعادتي بمراقبة آلاف الضفادع ظهر اليوم في الجامعة، المئات من "أبو ذنيبة" راقبتهم عن كثب وثلاث ضفادع كاملة النمو فقط، والبعض الصغيرة، حتى أنني وللمرة الأولى في حياتي أشاهد ضفدع مستلقي على ظهره فوق سطح الماء، مدهش وجميل، حتى انني فكرت هل الاسترخاء وتقنياته غريزة؟! بالطبع ربما لأن عادة التمطط بعد الاستيقاظ لسنا وحدنا نملكها، كذلك التثاؤب عند الكسل، ولحظات الدلال بين الكائنات وأبنائها، والكثير الكثير.


منذ الصباح شعرت أن الهواء ثقيل جداً، فآثرت الذهاب مسرعة للجامعة، ظانّة أن محاضرتي في الثامنة، تبين أنها في العاشرة لذلك اختلست بضعة دقائق انظر من النافذة الإلكترونية لأشياء كثيرة استمتع بها. في محطة السيارات كالعادة تخنقني مشاكل كثيرة هناك، السيارات الذاهبة لجامعة فرع الجنوب تجعل أربعة ركاب في الكرسي الخلفي واثنين في الكرسي بجانب السائق، هذي المرة سيارة كبيرة ولكن الإهانة هي نفسها، غيّر أحدهم شكل ومكان المقاعد، جعل في مؤخرة السيارة اثنين متقابلين واثنين في الوسط، وكرسيين متقابلين بشكل أفقي في الأمام، لم أجد مكان إلا في الأمام، ولم استطع رفع رأسي لأن السقف فوقي مباشرة، غريب هل هي سيارة لخراف مثلاً، كيف يمكن لبشر أن تتكيف مع هذا النوع من الازدحام والكراسي العجيبة؟!!


تخيلت موقف منذ انطلقنا بدأته، وحتى وصلنا نهاية حي تل السلطان، في الواقع أنني في كل مرة أحاول ان اعترض على نظام تكديس البشر في السيارة، تمسكني الفتيات ويقلن :"مشيها، بدنا نوصل الجامعة، خليكي زينا هينا ساكتين!!"، كما انني لم أقبل سابقاً أن اركب مع ثلاثة اخريات في المقعد الخلفي، دائما أركب في الأمامي وحدي أو لا اركب، والسائق ما إن يرى الطالبات خائفات، حتى يعلو صوته بوقاحة على الوحيدة المتجرأة عليه، وبسهولة يحضر موظف الأمن في المكان، ولحسن ظني انه يعرفني فيوقف السائق ويبلغه انه من الممنوع تكديس الطالبات بهذا الشكل الممنوع ويعاقب السائق.


ما تخيلته حقيقة أنني غضبت وأخبرت الطالبات أنه من المهين لأحد أن يرضى على نفسه معاملة أقل من البشر، فمن حقهم أن يحترمونهن ويجلسن بشكل مريح أكثر، على الأقل حين يتقدم سائق آخر ويحاول أن يحشر الطالبة على الطرف ويغلق الباب بكل ما أوتي من قوة، ويغمز لسائق بعيد!! كيف يرضين بإهانة كهذه؟؟ وأنني حينها تركت المكان، ثم بعد دقائق خرجت أخرى، وتبعتها الأخيرات ما دفع السائقين أن يحترموا رغبتهن ويركبن بشكل مريح وبكل احترام، بالمقابل اخترت حينها أن ادفع ثلاثة أضعاف المواصلة لأركب بسيارة خاصة تقلني بكل راحة وثقة للجامعة دون ان أشعر بالإهانة، ولا داعي لذكر تفاصيل حلم اليقظة هذا لأنه ينتهي بكوميديا لا تناسب جدية الحدث وواقعيته ومدى سوؤه، الملخص أنني أريد أن يتغير هذا الحال المهين بأي شكل.


وصلت قبل الوقت بخمس دقائق، وصلت المحاضرة التي تتحلق فيها الطالبات حول المحاضر، هذي المادة أحد المساقات الحرة خاصة بقسم علم النفس، عن الإرشاد النفسي المتعلق بالدين الإسلامي، ولأن الأغلبية الساحقة من قسم علم النفس، فالأجواء مريحة للغاية، حين دخلت ابتسمت طالبة اظنها خريجة وأشارت أن اجلس بجانبها، وحاول المحاضر أن يقف بالممر ويمنع دخولي، ما أربكني جداً، لكن هو بادر من باب المزاح، ربما لاحظ التجهم في وجهي وعلامات الاكتئاب. هذي المحاضرة قد تسمى المهدئ، المعلومات لطيفة جداً وبسيطة والمحاضر متدين لا بالمتشدد ولا اللين المخادع، حصل موقف مضحك جداً في المحاضرة أكتبه لكي لا أنساه، فقد اتصل رقم غريب على المحاضر، والمفاجأة أن شيخ ملتحي يضع نغمة الرنين موسيقى جميلة، والمفاجأة أنه طلب من الطالبة التي تجلس بجواري أن ترد وتقول لمتصل أن الرقم خطأ! كانت القاعة كلها مستغربة ولكن الطالبة فعلت، وعاد الرقم للاتصال، فرد هو هذي المرة وتبين أنه قريبه على الهاتف، قال له متعذراً: " لماذا ترقق صوتك، المدام ظنتك فتاة!" لم يستطع أن يوقف القاعة عن الضحك لحظتها وربما كشف أمره، كانت هناك فتاة منقبة قبالتي، تقول "هذا شيخ ويكذب، يجب أن انسحب من هذا المساق حالاً!". واستمرت المحاضرة.


الزكام يجعلني في هذي الأوقات أشعر بالاختناق والدوار طوال الوقت، لكن خرجت لحدائق الجامعة كنت قد فكرت أن لا أصرف شيء على الطعام وأوفر أكبر مبلغ، لكن لم استطع ذهبت لشراء بعض الطعام وتوجهت للبركة، كان في ذهني أن أجري الكثير من المكالمات الضرورية، وفاجأتنا غارات وهمية، كل هذا خلال تأملي للضفادع، وأخيرا مزيد من الطعام، ثم المحاضرة الثانية.


 يبدوا أنني استطعت أن احصل على صداقة المحاضرة، وأعلم أنني أشعر بملل كبير بسبب حجم الفراغ الهائل في تلك المحاضرة، ولا أراني طالبة مثالية دون مشاغبات هنا وهناك ومع هذا أشارك وأعلق على كل صغيرة وكبيرة، قدمت لنا اليوم عرض عن الثقافة صديقة تسمى شروق أحرجتها بأسئلتي وناقشناها لاحقاً بعد المحاضرة، وأخرى شعرت ببعض الجفاء من طرفها، يبدو أن التجاذبات بين مجموعات الطالبات تؤثر عليها، ولا ألومها.
ووصلنا البيت، بقيت أحاول أن أتوقع إن كانت الكهرباء موجودة أم لا لكن لا فائدة، أنا رغم توقعي لا استطيع أن أجزم بشيء، درست أخويّ دون كهرباء وغالبت النعاس وما أزال، وهناك كابوس في الأفق.


أنتظر الفرصة للحديث عنه، إحداهن قالت لي كلمة قبيل بضعة أيام سببت لي توتر شديد إذ انها كيف تفكر وتخاطبني بهذا الشكل، لكن لاحقاً تحاول ان تحزر سبب هذا التوتر والامتعاض وتخترع سبب كارثي، بالمقابل لا استطيع أن أفسر أو أبرر لأن فيه تجاوز لخصوصيتي وحريتي بالكلام، وللجميع الحرية بالاعتقاد، لكن ليست الاحكام القطعية والاتهامات الباطلة، لا استطيع ولا يمكن بالمطلق أن أقبل الرد عليها وبذلك الأسلوب أيضاً.


نقطة أخرى، شخصياً لا أعول كثيراً على الدرجات الجامعية ولكن يجب أن تكون بالمستوى الذي يجعلني أصل للدراسات الأعلى منها، وهذا ما أعمله عليه، بالإضافة إلى أنني أول المعترضين على نظام التعليم الحالي، وهو محور اهتمامي ودراستي، وقد كرست له جل وقتي بالمكتبة يوم أمس، وأظنه فعلاً مشروعي الذي يستحق ان أكرس له ما بقي من سنين. في ظل وجود توقعات جاهزة وقوالب جاهزة للفكرة عن درجة وعلامة معينة، وفي موقع غالباً بحجم المجتمع قد يهمش جزء كبير من رأيك في حضور من هم أكثر رشداً منك ولهم كل الفضل، كيف سأوصل فلسفتي بهذا الخصوص، بل كيف سأزف لهم نبأ بعض الدرجات السيئة، بل كيف سأقنع الآخرين بأن ما وقع هو ظلم حقيقي وليس بيدي حيلة، وأنني لن أقبل بأن يقيمني أحد من زلة وسقطة كان ليد أخرى يد فيها.


فيما يتعلق بهذا الأمر، فقد حدثت محاضري أمس بخصوص إحدى الدرجات، وقال رامياً الكرة في ملعبي ومخلياً نفسه من كل مسئولية أنني استحق الدرجة السيئة! وأعلم أنه من المعيب أن أذكر أنه تكلم عن درجة أخرى تستحقها بيسان في يوم ما وكان هنالك شهود على قوله، ولكن من المعيب أن أذكره، ومن الأفضل ان ابتلع تلك الخيبة في لحظتها، لكن الظلم وخيبات وغصات أخرى لا استطيع أن اسامح عليها، وأنتظر أيضاً وبفارغ الصبر مراجعة القسم بخصوص مراجعة لمادة أخرى، ومراجعة ثالثة. الغريب أنني أحاول أن أقلل علاقتي مع قسم تخصصي ولكن يبدوا أن المشاكل لا تقع إلا فوقي وتريد أن تدفعني لأن أشارك واقترب أكثر من القسم والعمليات الإدارية.


سأفقأ عين الوقت إن تجاوزني.


قبيل عودة الكهرباء، وقبيل وصول الباص للكراج، دارت بذهني كثير من الأفكار وأظنها منطقية، ولا أريدها أن تهرب مني وقت الرخاء.


أولها أنني يجب أن أعيد حساباتي بخصوص الجامعة، وتبين أنني سأتخرج قريباً وأرتاح، أحتاج عام فقط، ولست بحاجة للإكمال في فرع التربية صدقاً، ثانيها أنني يجب أن أضع للتوتر حساب وأحاول برمجته قليلاً لكن أخشى النوبة القلبية ففي الداخل هناك مستودعات هائلة من التوتر، وإن فتحت الأبواب على مصراعيها سأموت على عتبة الامتحانات! أما ثالثها أن أجعل نفسي كتاب أكثر انفتاحاً في المجال القريب على الأقل لأشعر من حولي بالاطمئنان عليّ، وليفهموا بعض من عالمي البعيد كل البعد عن الكثيرين، ولأنني لا أريد أن أتغير وأخسر ما بنيته في مملكتي، ولأنني أظنني على حق وأستحق أن أشارك في وضع حجر في بيت العالم.


لذلك كان القرار أن أحاول الليلة تحطيم جدار عمره عقدين، وأتمني لي التوفيق.


حرر في 9:57م
تمت المراجعة في 10:08 مع شعور بالحرية :)