الثلاثاء، 24 مارس 2026

حلقات لا تنتهي






لطالما استغللت بشقاوة ما برجي الشمسي لأسقطه على إحدى هواياتي الممتعة، كنت أفترض أنني كنت وعلًا جبليًا في حياة ما، أي قبل أن آتي إلى هنا، لذلك تستهويني كل المغامرات التي تنطوي على القفز والمخاطرة، وهنا أعنيها حرفيًا إلى حدٍ ما، أجد متعة في القفز بين الصخور عند منحدرٍ حاد، أو في أرض غير مستوية. حتى أنني في حلمٍ واعٍ قريب، كنت أصعد جدار جبلي شديد الإنحدار نحو كوخ صغير في الأعلى، ثم وجدتني أرسل بعض المأونة للمنتظرين بالأسفل. كنت أحسب زاوية انحراف الصخور بطرف عيني، وأرتب خطواتي بعقلي قبل أن أبدأها، عملية رياضية عميقة، تمامًا كما تفعل القطط، خطى نظيفة أنيقة مدروسة، بسلاسة وهدوء. 
تداعب عقلي فكرة التوقف عند السلاسل الجبلية الموجودة قرب مدخل مدينة العقبة، لا تشبه شيء إلا تلك المخابئ التي التجأت إليها الفتاة في رواية "النبطي"، حيث الحرارة في الأخاديد الصخرية أبرد من الخارج، ولا يجرؤ أحدٌ على إزعاجها. تتواجد الخيول والإبل في الخارج، ليست بعيدة عن الخيام، ويتصايح الرجال حيث يتداولون الشؤون الآنية، أو أخبار إحدى الصفقات، وقد تتحدث مجموعة من الشبان عن أخبار قادمة من مصر أو المتوسط عن طريق قوافل أخرى اتصلت بهم، وربما يناقشون مشكلة شخصية لأحدهم مع فتاة يحاول ترتيب الأمور معها، ربما هي العائق أو والدها الرجل الذي ينظر إلى أبعادٍ أوسع، ولا يشعر بالأمان في ظل القلاقل الأخيرة التي قد تضطرهم للانتقال لمكان جديد، من يدري. هي مناطق غير مأهولة حاليًا، إلا من بعض عابري الطريق أو سيارات الدفع الرباعي التي تبحث عن طرق بديلة.
كما أنتظر بفارغ الصبر، تجوالي في إحدى الغابات القريبة، أريد أن أرى التفاصيل، الحياة الصاخبة الدقيقة. أستغرب أحيانًا كوني لم أتخصص في مجال الأحياء الدقيقة أو الطبيعية. أتذكر أنني أنهيت موسوعة الحشرات في عمر صغير، حتى الدليل المختص بتشريح الحشرات والزواحف، وقتها من شدة الولع عاهدت نفسي ألا أتخصص إلى في مجال يدرس هذي الكائنات بشكل أعمق، وكذلك نكثت بوعدي. لا أشعر بالإحباط، هناك مخزون كبير من الأمل، من يدري أستطيع أن أغير المسار في أي لحظة، ثم إن الهواية والإهتمامات لا تدع مجالًا لليأس. 
ثم وفي وفرة من السلام والوقت، كنت أقبض بيدي على حفنة من توت العليق الأحمر، وغيوم كثيرة تحف السماء، المباني رغم ترتيبها تبدو عشوائية. ما زلت كما أنا لم أتغير، أصبحتُ أقرب، أصبحتْ الأشياء أوضح. المرونة في المحيطات الفيزيائية تبدو شحيحة، ما زالت تلك الطفلة تلهو في الجوار، تبحث عن فراشة أو دعسوقة أو طائر ماينا شرير يمارس فعل الإستعمار كغيره. 
لاحظت أن متاريس الحياة تحاول أن تسلبني إنسانيتي، لكن ها أنا أقاوم، لا أريد أن أتغير ولا أريد أن تفقد الحياة الألوان. برغم القسوة تتمتع الحياة بجمالٍ خلاب هنا، برغب حبي للصحراء كنت أفتقد كل هذي الألوان والهدوء وسط الضجيج. وأختار أن لا أنظر للسماء المضطربة.